semsem2008
01-Nov-2007, 03:03 AM
الزينة المحرمة
أن الإسلام شرع للمرأة التجمل والتزين لزوجها بكل ما أباحه الله تعالى من لباس وحلي وطيب ونحو ذلك في حدود التوجيهات الإسلامية في هذا المجال.
وقد رخص الإسلام للمرأة في مجال الزينة أكثر مما رخص للرجل تلبية لفطرتها وأنوثتها، وحرصاً على دوام المحبة، وحسن العشرة بين الزوجين.
والإسلام عندما أباح للمرأة التزين لم يطلق العنان لتحصيل الجمال، أو استكماله، بل وضع الأسس والقواعد التي تحقق الهدف المقصود من الزينة، هذا من جانب. ومن جانب آخر حرّم بعض أشكال الزينة – إن صح التعبير – كوصل الشعر والوشم والنمص وتفليج الأسنان ونحو ذلك لما فيها من تغيير خلق الله تعالى، والخروج عن الفطرة مع ما في ذلك من التدليس والإيهام.
وليست هذه المحرمات هي كل ما حرم الله في مجال التزين والتجمل، بل هي تنبيه على ما يماثلها على ما يماثلها على مر العصور، ولا سيما ما ظهر في وقتنا هذا مما يسمى بجراحة التجميل. وهذا لا يعني أن الأصل في الزينة هو التحريم بل الأصل هو الإباحة لكن ذلك مقيد بضوابط دلت عليها النصوص.
قال الخطابي: "إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش! ولما فيها من تغيير الخلقة، وغلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله: "المغيرات خلق الله" والله أعلم().
ولقد ظهر في هذا العصر من أنواع الزينة – كما يقال – ما أخبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام وحذر منه، وظهر من يشجع على انتشاره من بيوت الأزياء ومحلات التجميل، والمستشفيات، ووسائل الأعلام، من صحف ومجلات وغيرها، تقود إلى ذلك دعاية وترغيباً، بغية تغيير الخلقة، وإفساد الفطرة، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ثم تحقيق الأهداف الاقتصادية بابتزاز أموال المسلمين في استهلاك هذه الكماليات، عدا ما فيها من أضرار.
وإن من صفات المرأة المسلمة أن تكون وقافة عند حدود الله تعالى، لا تتعداها ولا تقربها، تقتصر على ما أباح الله لها من أنواع الزينة تنظر بعين البصيرة، مهتدية بشرع ربها لم يفسد مزاجها، ولم تنحرف فطرتها، وإن مما يؤسف له أن يعجب الإنسان بكل ما يصدر عنه، أو بكل ما يهواه، مهما بلغ من السوء! فيرى القبيح حسناً، والتشويه جمالاً، وتغيير خلق الله زينة، وهذا انتكاس في الفطرة، وفساد في الذوق. ونبذ لتعاليم الإسلام! قال تعالى: }أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً{[فاطر: 8]. والشاعر يقول:
يقضى على المـرء في أيام محنتـه حتى يـرى حسناً ما ليس بالحسن
وإليك – أختي المسلمة – هذا الحديث الجامع، فاقرئيه وتأمليه علماً وعملاً. عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب – وكانت تقرأ القرآن – فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبدا لله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله – عز وجل -: }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{. فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئاً. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها!!().
قال النووي: قوله: "لو كان ذلك لم نجامعها" قال جماهير العلماء معناه: لم تصاحبها ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها"().
وقال في فتح الباري: (قوله ما جامعتها) يحتمل أن المراد بالجماع الوطء، أو الاجتماع، وهو أبلغ. ويؤده قوله في رواية الكشميهني: (ما جامعتنا) للاسماعيلي (ما جامعتني)().
قال النووي: "فيحتج به في أن من عنده امرأة مرتكبة معصية كالوصل أو ترك الصلاة أو غيرهما، ينبغي له أن يطلقها، والله أعلم". مثله قال ابن العربي في شرحه على الترمذي().
فهذا الحديث دلَّ على أنواع محرمة مما يطلق عليه زينة وهي تفليج الأسنان والنمص والوشم، وكذا الوصل كما عند أبي داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر قال: "لعن رسول الله e الواصلة والمستوصلة"()، وتحريمها جاء من لعن فاعلها، لأن اللعنة على الشيء تدل على تحريمه. وتدل على أنه من الكبائر، وهي تغيير لخلق الله تعالى – كما تقدم –.
قال ابن العربي "إن الله سبحانه خلق الصور فاحسنها في ترتيب الهيئة الأصلية، ثم فاوت في الجمال بينها، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها وتبطل حكمته بها، فهو ملعون لأنه أتى ممنوعاً"().
وقال الطبري: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، التماساً للحسن لا للزوج ولا لغيره"().
والآن أتكلم على هذه الأنواع بشيء من التفصيل:
1) تفليج الأسنان:
التفليج في اللغة من فلج الأسنان: باعد بينها، جاء في لسان العرب لابن منظور: (والفلج في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيات خلقة، فإن تكلف فهو التفليج" ا هـ().
والمراد هنا: أن يفرج بين الأسنان بمبرد ونحوه، تفعله الكبيرة، توهم بأنها صغيرة().
فهذا الفعل محرم لقوله: }والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله{. فهو تغيير لخلق الله، وانشغال بأمور حقيرة لا قيمة لها، وإضاعة للوقت الذي يجب شغله بما ينفع الإنسان كما أنه تزوير وتدليس وإظهار لصغر السن.
قال في نيل الأوطار: "والفلج بفتح الفاء واللام، هو الفرجة بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السن إظهاراً للصغر وحسن الأسنان. لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغيرات، فإذا عجزت المرأة، كبرت سنها فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة، حسنة المنظر توهم كونها صغيرة"().
وقد جاء في حديث ابن مسعود – هذا – من رواية الإمام أحمد وفيه: "فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النامصة والواشرة"().
قال السندي: "الوَشْر بفتح واو فسكون شين معجمة واو مهملة، هو معالجة الأسنان، بما يحددها، ويرقق أطرافها، تفعله المرأة المسنة بذلك بالشواب". وقال ابن الأثير: الوَشْر أن تحدد المرأة أسنانها وترققها. والواشرة: الصانعة لذلك. والمؤتشرة: المفعول بها ذلك().
فاتضح مما تقدم أن معالجة الأسنان بالتفليج أو الوشر بقصد التحسين وإظهار صغر السن، محرم شرعاً لما تقدم. أما بقصد المعالجة والتداوي فلا مانع منه() فإذا ظهر للمرأة سن زائدة تؤذيها فلا مانع من خلعها. لأنها تشوه المنظر، وتعيق في الأكل، وإزالة العيوب جائز شرعاً، وكذلك إذا كان فيها تسوس واحتاجت إلى إصلاحها من أجل إزالة ذلك فلا بأس، وإذا كان على يد طبيبة مختصة فهو المتعين.
2) النمص:
قال أهل اللغة: النمس نتف الشعر، والنماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش، والنامصة هي التي تفعل النماص، والمتنمصة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، هذا هو المدلول اللغوي للكلمة بوجه عام، لكن هل النمص عام في إزالة شعر الوجه بما في ذلك شعر الحاجبين أو أنه خاص بهما؟
إن أحاديث النمص عامة ليس فيها تخصيص، فيظهر – والله أعلم – أنه لا فرق بين إزالة شعر الوجه أو شعر الحاجبين، وتفسير النمص بنقش الحاجبين وترقيقهما، وأنه لا يدخل فيه حف الوجه، وإزالة ما فيه من شعر أو زغب، قول مرجوح لأمرين:
الأول: أنه مخالف لعموم الأحاديث، ومنها حديث ابن مسعود المتقدم، (والنامصات والمتنمصات) وحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الواشمة، والواصلة، والمتواصلة، والنامصة، والمتنمصة"().
الثاني: عن تخصيص النمص بحف الحاجب – وإن قال به بعض علماء اللغة والشرع – لكن الأكثرين على خلافه حيث جعلوا النمص عاماً.
قال ابن الأثير في النهاية: "النامصة هي التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة: هي التي تأمر من يفعل بها ذلك"().
وقال في القاموس: "النمص: نتف الشعر"().
وقال الزمخشري: "في وجهها نمص: شبه الزغب. ونمصته الماشطة بالمنماص نتفته، وهو أنمص الحاجبين إذا رق مؤخرهما"().
وقال الفراء: "النامصة التي تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش منماص لأنه ينتفه"().
وقال في لسان العرب: "النمص نتف الشعر ونمص شعره ينمصه نمصاً نتفه"(). فهذه النصوص عن علماء اللغة تفيد أن النمص هو النتف، وهو عام، وإن كان علماء اللغة يتفقون على أن نتف الحاجب داخل في النمص وإنما الخلاف فيما عداه.
وكذلك شراح الحديث من العلماء يرون أن النمص في شعر الوجه ويتفقون على أن نتف الحاجب من النمص. فالنووي يقول في شرح صحيح مسلم: " وأما النامصة بالصاد المهملة فهي التي تزيل الشعر من الوجه. . "().
وقال في فتح الباري: "والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمي المنقاش منماصاً لذلك، ويقال: إن النماص إزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما . . "() فتراه يشير إلى تضعيف تخصيصه بشعر الحاجبين بقوله: ويقال. وقال السيوطي: "النمص هو نتف الشعر من الوجه"() وأما قول أبي داود في سننه: والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترفه، فهو باعتبار الغالب. لأن هذا هو المنتشر عند النساء. ولم يرد به حصر النمص بالحاجب فقط بدليل أنه فسر الواشمة بقوله: "الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد . ." قال في الفتح بعد نقله تفسير أبي داود للواشمة: "وذكر الوجه للغالب وأكثر ما يكون في الشفة، وسيأتي عن نافع في آخر الباب الذي يليه أنه يكون في اللثة، فذكر الوجه ليس قيداً، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد"().
وعلى هذا فما تفعله كثير من النساء اليوم من تهذيب شعر الحواجب أو تحديده بقص جوانبه أو حلقه أو نتفه فهو نمص محرم، ملعون فاعله كما تقدم، وأما نتف شعر الوجه فالأولى تركه لما تقدم – وإن قال: بجوازه بعض أهل العلم وأنه ليس داخلاً في معنى النمص. لكن الاحتياط مطلوب إلا إذا ظهر شعر واضح فلا بأس بإزالته أخذاً بهذا القول ولأن هذا من إزالة العيوب. والله أعلم.
وتخصيص المرأة لأنها هي التي تفعله غالباً للتجمل! وإلا فالحكم يشمل الرجل – أيضاً – فلو نتف شعر حاجبيه أو قصهما أو حلقهما فهو ملعون، لأنه مغير لخلق الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن العلة في تحريم النمص ليست التدليس والتغرير كما قد يفهمه بعض الناس، فإذا انتفى ذلك جاز، فإن هذه علة مستنبطة، والحديث قد نص على أن العلة قصد الحسن وتغيير خلق الله والعلة التي ثبتت بالنص أقوى في الدلالة من العلة المستنبطة كما في الأصول() وكذلك يحرم إزالة الحواجب الأصلية والاستغناء عنها بحواجب اصطناعية ملونة؛ لما فيه من تغيير الخلقة. والأضرار الناجمة عن وضع المادة الكيميائية على الحواجب كما تقدم في وسائل التجميل الحديثة.
فإن قيل: ما الجواب عما أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة – رضي الله عنها – وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟
فقلت: أميطي عنك الأذى ما استطعت().
قيل: ها هنا أمران:
الأول: تقدم النهي عن النمص وأنه هو النتف كما نقلناه عن أهل اللغة.
ويبقى القص والحف هل هو داخل فيه أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم والأولى تجنب ذلك؛ لأن العلة – وهي تغيير خلق الله تعالى المنصوص عليها في حديث ابن مسعود – موجودة في النتف – كما هو موجودة في القص والحف - ولهذا يرى النووي – رحمه الله – أن الحف من جملة النماص. قال في المصباح المنير: (حفّت المرأة وجهها: زينته بأخذ شعره)().
الثاني: يجاب عما ذكر من وجهين:
أنه أثر ضعيف ذكر الألباني: وقال: فإن امرأة أبي إسحاق لم أعرفها().
إنه مخالف لحديث ابن مسعود وغيره في لعن النامصة، فكيف تفتي عائشة – رضي الله عنها – بجواز الحف من أجل رغبة الزوج؟
وعلى فرض صحته وعدم مخالفته فهو قول صحابي مختلف في حجيته – كما عند الأصوليين – وإذا قلنا: إنه حجة، فيمكن حمله على ما فيه أذى، كما يدل عليه قولها: "أميطي عنك الأذى"() والله أعلم.
أما إذا ظهر للمرأة شعر في أماكن غير معتادة، كأن يكون لها لحية، أو شارب، أو عنفقة، أو ينبت على خدها شعر، فهذا لا بأس بإزالته، بل هو مستحب لأن المرأة مأمورة بالتزين لزوجها. وبقاء ذلك مشوه لها.
قال النووي: (يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية، أو شارب، أو عنفقة، فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب)().
إن الله تعالى خلق وجه المرأة بلا شعر، وظهور ذلك يعتبر مشوهاً لها فهو عيب، وإزالة العيوب جائز شرعاً، كالسن الطويلة والإصبع الزائدة. وقد ورد عن عبد الرحمن بن طرفة عن عرفجة بن أسعد قال: "أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأنتن عليّ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذ أنفاً من ذهب"().
ولا منافاة بين جواز ذلك وتحريم النمص، لأن النمص ليس فيه إزالة عيب بل هو لزيادة الحسن – كما يزعمون – وفيه تغيير لخلق الله، لأن الحواجب قد تكون رقيقة دقيقة، وقد تكون كثيفة واسعة، وهذا أمر معتاد، فصار تغييره محرماً() وفاعله ملعون – والعياذ بالله – وأما إزالة ما ذكر فهو إزالة شيء تشمئز منه النفس السوية، والفطرة السليمة، لا بالنسبة للزوجة فحسب، بل الزوج – أيضاً – الذي يحرص على جمال زوجته، ولاسيما وجهها مجمع المحاسن، ولذا خلا من اللحية والشارب ليكون أكمل في الاستمتاع،..الله عليم حكيم
أن الإسلام شرع للمرأة التجمل والتزين لزوجها بكل ما أباحه الله تعالى من لباس وحلي وطيب ونحو ذلك في حدود التوجيهات الإسلامية في هذا المجال.
وقد رخص الإسلام للمرأة في مجال الزينة أكثر مما رخص للرجل تلبية لفطرتها وأنوثتها، وحرصاً على دوام المحبة، وحسن العشرة بين الزوجين.
والإسلام عندما أباح للمرأة التزين لم يطلق العنان لتحصيل الجمال، أو استكماله، بل وضع الأسس والقواعد التي تحقق الهدف المقصود من الزينة، هذا من جانب. ومن جانب آخر حرّم بعض أشكال الزينة – إن صح التعبير – كوصل الشعر والوشم والنمص وتفليج الأسنان ونحو ذلك لما فيها من تغيير خلق الله تعالى، والخروج عن الفطرة مع ما في ذلك من التدليس والإيهام.
وليست هذه المحرمات هي كل ما حرم الله في مجال التزين والتجمل، بل هي تنبيه على ما يماثلها على ما يماثلها على مر العصور، ولا سيما ما ظهر في وقتنا هذا مما يسمى بجراحة التجميل. وهذا لا يعني أن الأصل في الزينة هو التحريم بل الأصل هو الإباحة لكن ذلك مقيد بضوابط دلت عليها النصوص.
قال الخطابي: "إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش! ولما فيها من تغيير الخلقة، وغلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله: "المغيرات خلق الله" والله أعلم().
ولقد ظهر في هذا العصر من أنواع الزينة – كما يقال – ما أخبر عنه الرسول عليه الصلاة والسلام وحذر منه، وظهر من يشجع على انتشاره من بيوت الأزياء ومحلات التجميل، والمستشفيات، ووسائل الأعلام، من صحف ومجلات وغيرها، تقود إلى ذلك دعاية وترغيباً، بغية تغيير الخلقة، وإفساد الفطرة، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ثم تحقيق الأهداف الاقتصادية بابتزاز أموال المسلمين في استهلاك هذه الكماليات، عدا ما فيها من أضرار.
وإن من صفات المرأة المسلمة أن تكون وقافة عند حدود الله تعالى، لا تتعداها ولا تقربها، تقتصر على ما أباح الله لها من أنواع الزينة تنظر بعين البصيرة، مهتدية بشرع ربها لم يفسد مزاجها، ولم تنحرف فطرتها، وإن مما يؤسف له أن يعجب الإنسان بكل ما يصدر عنه، أو بكل ما يهواه، مهما بلغ من السوء! فيرى القبيح حسناً، والتشويه جمالاً، وتغيير خلق الله زينة، وهذا انتكاس في الفطرة، وفساد في الذوق. ونبذ لتعاليم الإسلام! قال تعالى: }أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً{[فاطر: 8]. والشاعر يقول:
يقضى على المـرء في أيام محنتـه حتى يـرى حسناً ما ليس بالحسن
وإليك – أختي المسلمة – هذا الحديث الجامع، فاقرئيه وتأمليه علماً وعملاً. عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب – وكانت تقرأ القرآن – فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبدا لله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله – عز وجل -: }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{. فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئاً. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها!!().
قال النووي: قوله: "لو كان ذلك لم نجامعها" قال جماهير العلماء معناه: لم تصاحبها ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها"().
وقال في فتح الباري: (قوله ما جامعتها) يحتمل أن المراد بالجماع الوطء، أو الاجتماع، وهو أبلغ. ويؤده قوله في رواية الكشميهني: (ما جامعتنا) للاسماعيلي (ما جامعتني)().
قال النووي: "فيحتج به في أن من عنده امرأة مرتكبة معصية كالوصل أو ترك الصلاة أو غيرهما، ينبغي له أن يطلقها، والله أعلم". مثله قال ابن العربي في شرحه على الترمذي().
فهذا الحديث دلَّ على أنواع محرمة مما يطلق عليه زينة وهي تفليج الأسنان والنمص والوشم، وكذا الوصل كما عند أبي داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر قال: "لعن رسول الله e الواصلة والمستوصلة"()، وتحريمها جاء من لعن فاعلها، لأن اللعنة على الشيء تدل على تحريمه. وتدل على أنه من الكبائر، وهي تغيير لخلق الله تعالى – كما تقدم –.
قال ابن العربي "إن الله سبحانه خلق الصور فاحسنها في ترتيب الهيئة الأصلية، ثم فاوت في الجمال بينها، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها وتبطل حكمته بها، فهو ملعون لأنه أتى ممنوعاً"().
وقال الطبري: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، التماساً للحسن لا للزوج ولا لغيره"().
والآن أتكلم على هذه الأنواع بشيء من التفصيل:
1) تفليج الأسنان:
التفليج في اللغة من فلج الأسنان: باعد بينها، جاء في لسان العرب لابن منظور: (والفلج في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيات خلقة، فإن تكلف فهو التفليج" ا هـ().
والمراد هنا: أن يفرج بين الأسنان بمبرد ونحوه، تفعله الكبيرة، توهم بأنها صغيرة().
فهذا الفعل محرم لقوله: }والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله{. فهو تغيير لخلق الله، وانشغال بأمور حقيرة لا قيمة لها، وإضاعة للوقت الذي يجب شغله بما ينفع الإنسان كما أنه تزوير وتدليس وإظهار لصغر السن.
قال في نيل الأوطار: "والفلج بفتح الفاء واللام، هو الفرجة بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السن إظهاراً للصغر وحسن الأسنان. لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغيرات، فإذا عجزت المرأة، كبرت سنها فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة، حسنة المنظر توهم كونها صغيرة"().
وقد جاء في حديث ابن مسعود – هذا – من رواية الإمام أحمد وفيه: "فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النامصة والواشرة"().
قال السندي: "الوَشْر بفتح واو فسكون شين معجمة واو مهملة، هو معالجة الأسنان، بما يحددها، ويرقق أطرافها، تفعله المرأة المسنة بذلك بالشواب". وقال ابن الأثير: الوَشْر أن تحدد المرأة أسنانها وترققها. والواشرة: الصانعة لذلك. والمؤتشرة: المفعول بها ذلك().
فاتضح مما تقدم أن معالجة الأسنان بالتفليج أو الوشر بقصد التحسين وإظهار صغر السن، محرم شرعاً لما تقدم. أما بقصد المعالجة والتداوي فلا مانع منه() فإذا ظهر للمرأة سن زائدة تؤذيها فلا مانع من خلعها. لأنها تشوه المنظر، وتعيق في الأكل، وإزالة العيوب جائز شرعاً، وكذلك إذا كان فيها تسوس واحتاجت إلى إصلاحها من أجل إزالة ذلك فلا بأس، وإذا كان على يد طبيبة مختصة فهو المتعين.
2) النمص:
قال أهل اللغة: النمس نتف الشعر، والنماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش، والنامصة هي التي تفعل النماص، والمتنمصة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، هذا هو المدلول اللغوي للكلمة بوجه عام، لكن هل النمص عام في إزالة شعر الوجه بما في ذلك شعر الحاجبين أو أنه خاص بهما؟
إن أحاديث النمص عامة ليس فيها تخصيص، فيظهر – والله أعلم – أنه لا فرق بين إزالة شعر الوجه أو شعر الحاجبين، وتفسير النمص بنقش الحاجبين وترقيقهما، وأنه لا يدخل فيه حف الوجه، وإزالة ما فيه من شعر أو زغب، قول مرجوح لأمرين:
الأول: أنه مخالف لعموم الأحاديث، ومنها حديث ابن مسعود المتقدم، (والنامصات والمتنمصات) وحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الواشمة، والواصلة، والمتواصلة، والنامصة، والمتنمصة"().
الثاني: عن تخصيص النمص بحف الحاجب – وإن قال به بعض علماء اللغة والشرع – لكن الأكثرين على خلافه حيث جعلوا النمص عاماً.
قال ابن الأثير في النهاية: "النامصة هي التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة: هي التي تأمر من يفعل بها ذلك"().
وقال في القاموس: "النمص: نتف الشعر"().
وقال الزمخشري: "في وجهها نمص: شبه الزغب. ونمصته الماشطة بالمنماص نتفته، وهو أنمص الحاجبين إذا رق مؤخرهما"().
وقال الفراء: "النامصة التي تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش منماص لأنه ينتفه"().
وقال في لسان العرب: "النمص نتف الشعر ونمص شعره ينمصه نمصاً نتفه"(). فهذه النصوص عن علماء اللغة تفيد أن النمص هو النتف، وهو عام، وإن كان علماء اللغة يتفقون على أن نتف الحاجب داخل في النمص وإنما الخلاف فيما عداه.
وكذلك شراح الحديث من العلماء يرون أن النمص في شعر الوجه ويتفقون على أن نتف الحاجب من النمص. فالنووي يقول في شرح صحيح مسلم: " وأما النامصة بالصاد المهملة فهي التي تزيل الشعر من الوجه. . "().
وقال في فتح الباري: "والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمي المنقاش منماصاً لذلك، ويقال: إن النماص إزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما . . "() فتراه يشير إلى تضعيف تخصيصه بشعر الحاجبين بقوله: ويقال. وقال السيوطي: "النمص هو نتف الشعر من الوجه"() وأما قول أبي داود في سننه: والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترفه، فهو باعتبار الغالب. لأن هذا هو المنتشر عند النساء. ولم يرد به حصر النمص بالحاجب فقط بدليل أنه فسر الواشمة بقوله: "الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد . ." قال في الفتح بعد نقله تفسير أبي داود للواشمة: "وذكر الوجه للغالب وأكثر ما يكون في الشفة، وسيأتي عن نافع في آخر الباب الذي يليه أنه يكون في اللثة، فذكر الوجه ليس قيداً، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد"().
وعلى هذا فما تفعله كثير من النساء اليوم من تهذيب شعر الحواجب أو تحديده بقص جوانبه أو حلقه أو نتفه فهو نمص محرم، ملعون فاعله كما تقدم، وأما نتف شعر الوجه فالأولى تركه لما تقدم – وإن قال: بجوازه بعض أهل العلم وأنه ليس داخلاً في معنى النمص. لكن الاحتياط مطلوب إلا إذا ظهر شعر واضح فلا بأس بإزالته أخذاً بهذا القول ولأن هذا من إزالة العيوب. والله أعلم.
وتخصيص المرأة لأنها هي التي تفعله غالباً للتجمل! وإلا فالحكم يشمل الرجل – أيضاً – فلو نتف شعر حاجبيه أو قصهما أو حلقهما فهو ملعون، لأنه مغير لخلق الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن العلة في تحريم النمص ليست التدليس والتغرير كما قد يفهمه بعض الناس، فإذا انتفى ذلك جاز، فإن هذه علة مستنبطة، والحديث قد نص على أن العلة قصد الحسن وتغيير خلق الله والعلة التي ثبتت بالنص أقوى في الدلالة من العلة المستنبطة كما في الأصول() وكذلك يحرم إزالة الحواجب الأصلية والاستغناء عنها بحواجب اصطناعية ملونة؛ لما فيه من تغيير الخلقة. والأضرار الناجمة عن وضع المادة الكيميائية على الحواجب كما تقدم في وسائل التجميل الحديثة.
فإن قيل: ما الجواب عما أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة – رضي الله عنها – وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟
فقلت: أميطي عنك الأذى ما استطعت().
قيل: ها هنا أمران:
الأول: تقدم النهي عن النمص وأنه هو النتف كما نقلناه عن أهل اللغة.
ويبقى القص والحف هل هو داخل فيه أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم والأولى تجنب ذلك؛ لأن العلة – وهي تغيير خلق الله تعالى المنصوص عليها في حديث ابن مسعود – موجودة في النتف – كما هو موجودة في القص والحف - ولهذا يرى النووي – رحمه الله – أن الحف من جملة النماص. قال في المصباح المنير: (حفّت المرأة وجهها: زينته بأخذ شعره)().
الثاني: يجاب عما ذكر من وجهين:
أنه أثر ضعيف ذكر الألباني: وقال: فإن امرأة أبي إسحاق لم أعرفها().
إنه مخالف لحديث ابن مسعود وغيره في لعن النامصة، فكيف تفتي عائشة – رضي الله عنها – بجواز الحف من أجل رغبة الزوج؟
وعلى فرض صحته وعدم مخالفته فهو قول صحابي مختلف في حجيته – كما عند الأصوليين – وإذا قلنا: إنه حجة، فيمكن حمله على ما فيه أذى، كما يدل عليه قولها: "أميطي عنك الأذى"() والله أعلم.
أما إذا ظهر للمرأة شعر في أماكن غير معتادة، كأن يكون لها لحية، أو شارب، أو عنفقة، أو ينبت على خدها شعر، فهذا لا بأس بإزالته، بل هو مستحب لأن المرأة مأمورة بالتزين لزوجها. وبقاء ذلك مشوه لها.
قال النووي: (يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية، أو شارب، أو عنفقة، فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب)().
إن الله تعالى خلق وجه المرأة بلا شعر، وظهور ذلك يعتبر مشوهاً لها فهو عيب، وإزالة العيوب جائز شرعاً، كالسن الطويلة والإصبع الزائدة. وقد ورد عن عبد الرحمن بن طرفة عن عرفجة بن أسعد قال: "أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأنتن عليّ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذ أنفاً من ذهب"().
ولا منافاة بين جواز ذلك وتحريم النمص، لأن النمص ليس فيه إزالة عيب بل هو لزيادة الحسن – كما يزعمون – وفيه تغيير لخلق الله، لأن الحواجب قد تكون رقيقة دقيقة، وقد تكون كثيفة واسعة، وهذا أمر معتاد، فصار تغييره محرماً() وفاعله ملعون – والعياذ بالله – وأما إزالة ما ذكر فهو إزالة شيء تشمئز منه النفس السوية، والفطرة السليمة، لا بالنسبة للزوجة فحسب، بل الزوج – أيضاً – الذي يحرص على جمال زوجته، ولاسيما وجهها مجمع المحاسن، ولذا خلا من اللحية والشارب ليكون أكمل في الاستمتاع،..الله عليم حكيم