سماء الدنيا
02-Jan-2008, 07:44 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فاطمة البتول عليها السلام
ولدت البتول قبل البعثة عام تجديد الكعبة ، وعندما اقترب ميلاد الزهراء عليها السلام قال والدها صلى الله عليه وسلم لوالدتها أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها : " يا خديجة هذا جبريل بشرني أن حملك أنثى أنها النسمة الطاهرة الميمونة وأنه سيجعل نسلي منها ويجعل من نسلها أئمة ويجعلهم خلفاء في أرضه " .. أسماءها رضي الله عنها :
إن لها تسعة أسماء ، أشهرها وأكثرها استعمالا فاطمة ، ثم الزهراء ، ثم بقية الأسماء وهي الطاهرة ، والصديقة ، والزكية ، والراضية ، والمرضية ، والمباركة ، والمحدثة .
وذكر أصحاب السيرة أنها يطلق عليها أم النبي أو أم أبيها ، وذلك لأنها كانت أصغر بناته صلى الله عليه وسلم ، وكانت الوحيدة في بيت أبيها بعد وفاة أمها السيدة خديجة ، فتولت رعاية أبيها صلى الله عليه وآله وسلم والسهر على خدمته وقد أعلمه الله تعالى بأن عقبة سيكون منها و أنها سوف تكون الواسطة في إنارة البشرية بهذا النور الفياض نور البضعة النبوية ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يحبها حبا جما فكان يناديها بأم أبيها ويعاملها معاملة الأم .
أما عن سبب تسميتها :
بفاطمة لأن الله فطمها من النار ، ولقبت بالزهراء لأنها كانت بيضاء اللون تزهر ولأنها اذا قامت في محرابها يزهر نورها لأهل السماء ولأنها لم تحض ، ولقبت بالمحدثة لأن الملائكة تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم ابنة عمران عليهما السلام ، والمحدث هو الملهم ولا شك أنها من الملهمين ، ولقبت بالصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية لما اتصفت به من الصدق والبركة والطهارة والرضا .
ولقبت السيدة فاطمة بالبتول لإنقطاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً وحسباً وعفافاً وخلقاً ، فهي سيدة نساء العالمين ، لإنقطاعها عن الدنيا الى الله وعبادته كما قال تعالى وتبتل إليه تبتيلاً ، ولقبت بذلك مريم ابنة عمران لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا ، ويروي مريم بتول وفاطمة بتول ..
والبتول أيضا هي التي لم تحض ولم تر حمرة الدم قط ، وعن أسماء بنت عميس قالت شهدت فاطمة حين ولدت بعض أولادها فلم أر لها دماً ، فسألته صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أسماء إن فاطمة خلقت حورية إنسية لم تحض ولم تطمث طاهرة مطهرة " ، ومن صفات الحور : أنها لا تطمث قالوا وكذلك السيدة فاطمة عليها السلام لم تر حيضاً ولا نفاساً وهذه ميزة فريدة امتازت بها على بنات حواء ..
نشأتها :
نشأت السيدة فاطمة الزهراء في بيت النبوة ومنبع الرسالة ، في كنف والدها رسول الله وخاتم النبيين وسيد المرسلين ، وفي رعاية أمها السيدة العظيمة خديجة الكبرى ، فتأدبت بأدب أبويها الكريمين العظيمين ، فكانت المثل الأعلى في الأخلاق الكريمة والطباع السليمة ، وقد عني بها وبتربيتها والدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عناية تامة فنشأت تلك النشأة الصالحة على سنن الهدي النبوي والصراط المستقيم المصطفوي ، فكانت مضرب المثل في الكمال والجلال والصلاح ، ولاغرو فقد تربت في مدرسة النبوة وتخرجت من معهد الرسالة ، وتلقت عن أبيها الرسول الأمين ما تلقاه من رب العالمين القران الكريم ، وتأدبت بأدبه صلى الله عليه وسلم حيث يقول أدبني ربي فأحسن تأديبي ، وقد تقدم أنها لقبت بالبتول لانقطاعها الى ربها بعيدا عن الدنيا وجاهها ، فكانت تؤثر الإنطواء على نفسها والتبتل إلى ربها والعكوف على العبادة والعمل الصالح ..
شبهها بوالدها الرسول صلى الله عليه وسلم :
كانت السيدة فاطمة أكثر الناس شبها بالرسول صلى الله عليه وسلم خَلقا وخُلقا وهديا وسمتا ، فعن أنس قال : سألت أمي عن صفة فاطمة رضي الله عنها فقالت : كانت أكثر الناس شبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم بيضاء مشربة بحمرة لها شعر أسود يتعفر ، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه الناس وجهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم " ..
وعن عائشة رضي الله عنها : ( ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحب بها، وكذلك كانت هي تصنع به) صحيح مسلم (2424).
ذكر الله لها ولزوجها في القرآن الكريم :
قال تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى ) ( الشورى 23 ) أي لا أطلب منكم على التبليغ أجرا قط ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي ولا تؤذوهم . وروي أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وأبناهما ..
وقال تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) . قال المفسرون : نزلت هذه الآيات في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، فإنهم كانوا صائمين فلما وضعوا طعام إفطارهم جاء مسكين فدفعوه له وباتوا طاوين ، وأصبحوا اليوم الثاني صائمين فلما وضعوا طعام إفطارهم جاء يتيم فدفعوه له وباتوا طاوين ، وأصبحوا اليوم الثالث صائمين فلما وضعوا طعام إفطارهم جاء أسير فدفعوه له وباتوا طاوين ..
ما يقول رسول الله في ابنته الحبيبة :
روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني " ، وروى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " ، وعن علي كرم الله وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا فاطمة إن الله عز وجل يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليم وسلم اذا سافر كان آخر الناس عهداً به فاطمة ، وإذا قدم من سفر كان أول الناس عهداً به فاطمة " ..
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما رأيت أحداً أشبه سمتا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنته فاطمة في قيامها وقعودها ، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها و أجلسها في مجلسه وإذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته و أجلسته في مجلسها ، وقالت عائشة أيضاً : " ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه من فاطمة وما رأيت أحداً أصدق لهجة من فاطمة " ..
قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم ). وقد ورد أيضا أنه قال : إن ملكا استأذن الله تعالى في زيارتي وبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أمتي.. وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : (( اللهم إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي و أكرم الناس علي فأحب من يحبهم و أبغض من يغضبهم ووال من والاهم وعاد من عاداهم و أعن من أعانهم واجعلهم مطهرين من كل رجس معصومين من كل ذنب وأيدهم بروح القدس منك )) ..
إنها من الجنة :
وعن عائشة قالت : كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل فاطمة فقلت : يا رسول الله إني أراك تفعل شيئا ما كنت أراك تفعله من قبل؟ ، فقال لي : يا حميراء أنه لما كان ليلة أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة فوقفت على شجرة من شجر الجنة لم أر في الجنة شجرة هي أحسن منها حسناً ولا أبيض منها ورقة ولا أطيب منها ثمرة فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فإذا أنا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت ريح فاطمة يا حميراء إن فاطمة ليست كنساء الآدميين ولا تعتل كما يعتلون " رواه الطبراني ..
حديث الثقلين :
روى مسلم في صحيحه عن زايد ابن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " وفي رواية " إني تارك فيكم الثقلين إحداهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحرض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " . وحديث الثقلين هو من أوثق الأحاديث النبوية وأشهرها وأعظمها أهمية ..
وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة : " إني وإياك وهذين يعني حسنا وحسينا وهذا الراقد يعني عليا في مكان واحد يوم القيامة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أحب أهلي إليَّ فاطمة " .
أهــل العبـــاءة :
حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عوف عن أبي المعدل عطية الطفاوي عن أبيه أن أم سلمة حدثته قالت : " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوما إذ قالت الخادم إن عليا وفاطمة بالسدة قالت فقال لي قومي فتنحي لي عن أهل بيتي قالت فقمت فتنحيت في البيت قريبا فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما قال واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى فقبل فاطمة وقبل عليا فأغدف عليهم خميصة سوداء فقال : " اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي " فقلت : وأنا يا رسول الله ، فقال : وأنت " ..
تقدم لخطبتها كثير من الصحابة فردهم رسول الله بأدبه :
كان في طليعة الذين بادروا لخطبتها ابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم ، فكان صلى الله عليه وسلم يرد بقوله انتظر فيها أمر القضاء ، أو يقول لم ينزل القضاء بعد ، وتكرر ذلك حتى قال سعد بن معاذ الأنصاري للإمام علي : إني والله ما أرى رسول الله يريد بها غيرك ..
تقدم الإمام علي لخطبتها :
فذهب الإمام علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في بيت أم سلمة رضي الله عنها ، ففتحت له فدخل وسلم فقال له الرسول : " يا علي كأنك قاصد حاجة فتكلم فكل حاجتك مقضية"
فقال علي رضي الله عنه : " فداك أبي وأمي يارسول الله ، إنك أخذتني من عمك أبي طالب وأمي فاطمة بنت أسد ، في البر والشفقة ، فأنت يارسول الله ذخيرتي ووسيلي في الدنيا والآخرة ، وقد أحببت أن يكون لي بيت وزوجة أسكن إليها ، وقد أتيتك خاطباً ابنتك فاطمة ، فهل تزوجني يارسول الله ؟ ..
قالت أم سلمة فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تهلل فرحاً وسروراً ، ثم تبسم في وجه علي وقال : ياعلي هل معك شيء تقصدها ؟ ..
فقال الإمام علي : والله ما يخفى عليك حالي ولاشيء من أمري ما أملك غير سيفي وناضحي ودرعي ..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما سيفك فلا غنى لك عنه تجاهد به في سبيل الله ، وأما ناضحك فتنضح عليه لأهلك وتحمل عليه رحلك في سفرك ، ولكني زوجتك على درعك ورضيت به منك ، وأبشر يا أبا الحسن فإن الله عزوجل قد زوجك بها في السماء قبل أن أزوجك بها في الأرض .
وفي رواية : " أن علياً باع الدرع المذكورة وأشياء أخرى ، فاجتمع له منها أربعمائة أو أربعمائة وثمانون درهماً ، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يجعل ثلثاً في الطيب وثلثاً في الأمتعة ففعل .
وعن أنس رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغشيه الوحي فلما أفاق قال لي : يا أنس أتدري ما جاء به جبريل عليه السلام ؟ قال لي إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تزوج فاطمة من علي فانطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعددهم من الأنصار . فأنطلقت فدعوتهم فلما أخذوا مجالسهم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته العظيمة .
خطبة الرسول التي خطبها عند تزويجه لابنته فاطمة :
وهي السنة أن يخطب والد العروس خطبة وجيزة قد ماتت في أيامنا فقال رسول الله : " الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع لسلطانه المرهوب إليه من عذابه النافذ أمره في أرضه وسمائه الذي خلق الخلق بقدرته ونورهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سبباً لاحقاً و أمراً مفترضاً ، وحكماً عادلاً وخيراً جامعاً أوشج به الأرحام ، ( أي ألف به بينها وجعلها مختلطة مشتبكة ) وألزم به الأنام ، فقال تعالى : (( وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً )) و أمر الله يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري الى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب ، يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب و أشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال إن رضي علي بذلك .على السنة القائمة والفريضة الواجبة جمع الله شملهما وبارك لهما ، وأطاب نسلهما ، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ، وعادن الحكمة وأمن الأمة ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ..
انتهت الخطبة وكان الإمام علي غائباً في حاجة لرسول الله قد بعثه فيها . ثم دعا صلى الله عليه وسلم بطبق من تمر وفي رواية من بسر فوضع بين أيدينا وقال : انتهبوا فانتهبنا ، ودخل علي رضي الله عنه فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا علي إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة وإني قد زوجتكما على أربعمائة مثقال فضة فقال علي : رضيت يارسول الله وخر علي ساجداً شكراً لله تعالى ، فلما رفع رأسه من السجود قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لكما وعليكما وأسعدكما و أخرج منكما الكثير الطيب ) ..
الجهاز البسيط :
ووزع النبي صلى الله عليه وسلم الصداق المذكور وهو الأربعمائة مثقال فضة أثلاثاً ثلث للطيب وثلث للملابس وثلث للأمتعة ( الأثاث ) ، وكان جهاز الزهراء رضي الله عنها في غاية البساطة والزهادة فهو كالآتي :
قميص وخمار وقطيفة وعباءة وسرير مشرط بشريط من الخوص وفراشين أحدهما محشو بالليف والآخر محشو بصوف الغنم وأربع وسائد من أدم حشوها إذخر ( وهو الأشنان ) وحصير ورحى ومخضب من نحاس لغسل الثياب ( وهو الطشت ) وقربة وقدح من خشب ومطهرة وجرة وكيزان كلها من الخزف .
أما الإمام علي فقد اقتصر إعداده لبيت الزوجية على مايلي :
فرش الحجرة بالرمل الناعم ، مدّ خشبة بين الحائطين لوضع الأمتعة عليها واحضر أهابا ومخدة حشوها ليف ومنشفة ومنخل فقط .
فهذه الصورة البسيطة لهذه الزيجة المباركة تحكى وتصور ماكان عليه أولئك الأئمة الأبرار من الزهد والقناعة فلم ينظروا إلى الدنيا ومتعاها وشهواتها وتحققوا بقول الرسول الكريم : " كن في الدنيا كعابر سبيل " فعسى أن تبعث هذه الصورة المشرقة من حياة أولئك الهداة البررة في النفوس التي تملكها حب الشهوات والملذات الدنيوية الفانية فلا هم لهم الا الجري وراءها والتفاخر بشهواتها عسى أن تبعث هذه الصور المشرقة في الناس اليوم روح التأسي والإقتداء ولو بعض الشيء بأولئك الذين قال لهم الله فيهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده .
سن الزهراء عند زواجها :
إن زواجها كان في السنة الثانية للهجرة وسنها آن ذاك ثمان عشر سنة .
لا أطيق فراقها فقرب بيتها مني :
وحينما تزوج سيدنا علي بن أبي طالب السيدة فاطمة رضي الله عنهما ، سكنوا بعيداً عن بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد الصحابة كان يمتلك بيتاً بجوار المسجد النبوي ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( إني لا أطيق فراق فاطمة ، اشتري منك البيت ؟ )) فقال الرجل : يا رسول الله أنا وبيتي في سبيل الله ..
ذريتها المباركة :
ولقد آثر الله فاطمة الزهراء بالنعمة الكبرى ، فحصر في ولدها ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم ففي السنة التالية لزواجها - وهي السنة الثالثة للهجرة - رزقت الزهراء بمولودها الأول وسماه جده الرسول الحسن ثم تلا في السنة التالية وهي السنة الرابعة للهجرة المولود الثاني فأسماه جده الرسول الحسين ، وقد تعلق صلى الله عليه وسلم بسبطيه هذين الحسن والحسين وأحبهما حباً شديداً وقال :" هما ريحانتاي من الدنيا " ، وقال :" هما سيد شباب أهل الجنة " ثم تلاهما بقية الذرية وهم زينب وأم كلثوم ومحسن الذي توفى صغيراً ..
النصيحة المباركة خير من الخادم :
روي البخاري أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادماً فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبرته , قال علي رضي الله عنه : فجاءنا و قد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم , فقال : مكانكما , فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري , قال : ألا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من خادم ؟ إذا أويتما إلى فراشكما , أو أخذتما مضاجعكما, فكبرا أربعاً و ثلاثين , و سبحا ثلاثاً و ثلاثين , و احمدا ثلاثاً و ثلاثين , فهذا خير لكما من خادم )) ..
حدثنا عبد الصمد حدثني أبي حدثنا محمد بن جحادة حدثني حميد الشامي عن سليمان المنبهي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده بإنسان فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة ، فقدم من غزاة له فأتاها فإذا هو يمسح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان فقسمته بينهما فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما فقال :" يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا " ..
أخذها عن والدها وروايتها للحديث :
أخذت الزهراء عن أبيها وروت عنه الكثير من الأحاديث ، وتلقت منه القران الكريم الذي تلقاه من الحكيم العليم القائل وأنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم . وروى عنها أبناها الحسن والحسين وأبوهما الإمام علي وحفيدتها فاطمة بنت الحسين بالواسطة وروت عنها السيدة عائشة وأم سلمة وأنس ابن مالك وغيرهم وذكروا أنها كانت قارئة كاتبة تحسن القراءة والكتابة وكانت القراءة والكتابة في ذلك الوقت قليلة لاسيما في النساء ..
إنها ليس لها ضرة :
عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : (( إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالب ، فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما ابنتي بَضعةٌ مني ، يريبني ما رآبها ويؤذيني ما آذاها )) رواه البخاري ..
وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم :
لقد مرت السيدة فاطمة رضي الله عنها بأحداث كثيرة ومتشابكة وقاسية للغاية وذلك منذ نعومة أظفارها حيث شهدت وفاة أمها ، ومن ثم أختها رقية وتلتها أختها زينب ثم أختها أم كلثوم . واحتملت حياة الفقر وكابدت بل كانت مثال الفتاة الصابرة المرابطة المهاجرة ولما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما إن سمعت فاطمة بذلك حتى هرعت لتوها لتطمئن عليه وهو عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
فلما رآها هش للقائها قائلا: مرحبا يا بنيتي ، ثم قبلها وأجلسها على يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديداً ، فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها - أي عائشة - : خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين سائر نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين ؟ فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها : ما قال لك رسول الله ؟ قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله سره.
قالت : فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله قالت : أما الآن فنعم. أما حين سارني في المرة الأولى. فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل سنة مرة ، وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري ، فإنه نعم السلف أنا لك. قالت فبكيت بكائي الذي رأيت : فلما رأى جزعي سارني الثانية ، فقال : يا فاطمة ، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ؟ وأنك أول أهلي لحوقا بي ؟ فضحكت .
واشتد الوجع على رسول الله واشتد حزن فاطمة فلما دفن عليه السلام قالت : " يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب " ، وبكت الزهراء أبيها، وبكى المسلمون جميعاً نبيهم ورسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وذكروا قول الله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) [آل عمران: 144].
فاطمة البتول عليها السلام
ولدت البتول قبل البعثة عام تجديد الكعبة ، وعندما اقترب ميلاد الزهراء عليها السلام قال والدها صلى الله عليه وسلم لوالدتها أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها : " يا خديجة هذا جبريل بشرني أن حملك أنثى أنها النسمة الطاهرة الميمونة وأنه سيجعل نسلي منها ويجعل من نسلها أئمة ويجعلهم خلفاء في أرضه " .. أسماءها رضي الله عنها :
إن لها تسعة أسماء ، أشهرها وأكثرها استعمالا فاطمة ، ثم الزهراء ، ثم بقية الأسماء وهي الطاهرة ، والصديقة ، والزكية ، والراضية ، والمرضية ، والمباركة ، والمحدثة .
وذكر أصحاب السيرة أنها يطلق عليها أم النبي أو أم أبيها ، وذلك لأنها كانت أصغر بناته صلى الله عليه وسلم ، وكانت الوحيدة في بيت أبيها بعد وفاة أمها السيدة خديجة ، فتولت رعاية أبيها صلى الله عليه وآله وسلم والسهر على خدمته وقد أعلمه الله تعالى بأن عقبة سيكون منها و أنها سوف تكون الواسطة في إنارة البشرية بهذا النور الفياض نور البضعة النبوية ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يحبها حبا جما فكان يناديها بأم أبيها ويعاملها معاملة الأم .
أما عن سبب تسميتها :
بفاطمة لأن الله فطمها من النار ، ولقبت بالزهراء لأنها كانت بيضاء اللون تزهر ولأنها اذا قامت في محرابها يزهر نورها لأهل السماء ولأنها لم تحض ، ولقبت بالمحدثة لأن الملائكة تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم ابنة عمران عليهما السلام ، والمحدث هو الملهم ولا شك أنها من الملهمين ، ولقبت بالصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية لما اتصفت به من الصدق والبركة والطهارة والرضا .
ولقبت السيدة فاطمة بالبتول لإنقطاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً وحسباً وعفافاً وخلقاً ، فهي سيدة نساء العالمين ، لإنقطاعها عن الدنيا الى الله وعبادته كما قال تعالى وتبتل إليه تبتيلاً ، ولقبت بذلك مريم ابنة عمران لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا ، ويروي مريم بتول وفاطمة بتول ..
والبتول أيضا هي التي لم تحض ولم تر حمرة الدم قط ، وعن أسماء بنت عميس قالت شهدت فاطمة حين ولدت بعض أولادها فلم أر لها دماً ، فسألته صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أسماء إن فاطمة خلقت حورية إنسية لم تحض ولم تطمث طاهرة مطهرة " ، ومن صفات الحور : أنها لا تطمث قالوا وكذلك السيدة فاطمة عليها السلام لم تر حيضاً ولا نفاساً وهذه ميزة فريدة امتازت بها على بنات حواء ..
نشأتها :
نشأت السيدة فاطمة الزهراء في بيت النبوة ومنبع الرسالة ، في كنف والدها رسول الله وخاتم النبيين وسيد المرسلين ، وفي رعاية أمها السيدة العظيمة خديجة الكبرى ، فتأدبت بأدب أبويها الكريمين العظيمين ، فكانت المثل الأعلى في الأخلاق الكريمة والطباع السليمة ، وقد عني بها وبتربيتها والدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عناية تامة فنشأت تلك النشأة الصالحة على سنن الهدي النبوي والصراط المستقيم المصطفوي ، فكانت مضرب المثل في الكمال والجلال والصلاح ، ولاغرو فقد تربت في مدرسة النبوة وتخرجت من معهد الرسالة ، وتلقت عن أبيها الرسول الأمين ما تلقاه من رب العالمين القران الكريم ، وتأدبت بأدبه صلى الله عليه وسلم حيث يقول أدبني ربي فأحسن تأديبي ، وقد تقدم أنها لقبت بالبتول لانقطاعها الى ربها بعيدا عن الدنيا وجاهها ، فكانت تؤثر الإنطواء على نفسها والتبتل إلى ربها والعكوف على العبادة والعمل الصالح ..
شبهها بوالدها الرسول صلى الله عليه وسلم :
كانت السيدة فاطمة أكثر الناس شبها بالرسول صلى الله عليه وسلم خَلقا وخُلقا وهديا وسمتا ، فعن أنس قال : سألت أمي عن صفة فاطمة رضي الله عنها فقالت : كانت أكثر الناس شبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم بيضاء مشربة بحمرة لها شعر أسود يتعفر ، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه الناس وجهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم " ..
وعن عائشة رضي الله عنها : ( ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحب بها، وكذلك كانت هي تصنع به) صحيح مسلم (2424).
ذكر الله لها ولزوجها في القرآن الكريم :
قال تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القربى ) ( الشورى 23 ) أي لا أطلب منكم على التبليغ أجرا قط ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي ولا تؤذوهم . وروي أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وأبناهما ..
وقال تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) . قال المفسرون : نزلت هذه الآيات في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، فإنهم كانوا صائمين فلما وضعوا طعام إفطارهم جاء مسكين فدفعوه له وباتوا طاوين ، وأصبحوا اليوم الثاني صائمين فلما وضعوا طعام إفطارهم جاء يتيم فدفعوه له وباتوا طاوين ، وأصبحوا اليوم الثالث صائمين فلما وضعوا طعام إفطارهم جاء أسير فدفعوه له وباتوا طاوين ..
ما يقول رسول الله في ابنته الحبيبة :
روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني " ، وروى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها " ، وعن علي كرم الله وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا فاطمة إن الله عز وجل يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليم وسلم اذا سافر كان آخر الناس عهداً به فاطمة ، وإذا قدم من سفر كان أول الناس عهداً به فاطمة " ..
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما رأيت أحداً أشبه سمتا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنته فاطمة في قيامها وقعودها ، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها و أجلسها في مجلسه وإذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته و أجلسته في مجلسها ، وقالت عائشة أيضاً : " ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه من فاطمة وما رأيت أحداً أصدق لهجة من فاطمة " ..
قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم ). وقد ورد أيضا أنه قال : إن ملكا استأذن الله تعالى في زيارتي وبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أمتي.. وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : (( اللهم إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي و أكرم الناس علي فأحب من يحبهم و أبغض من يغضبهم ووال من والاهم وعاد من عاداهم و أعن من أعانهم واجعلهم مطهرين من كل رجس معصومين من كل ذنب وأيدهم بروح القدس منك )) ..
إنها من الجنة :
وعن عائشة قالت : كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل فاطمة فقلت : يا رسول الله إني أراك تفعل شيئا ما كنت أراك تفعله من قبل؟ ، فقال لي : يا حميراء أنه لما كان ليلة أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة فوقفت على شجرة من شجر الجنة لم أر في الجنة شجرة هي أحسن منها حسناً ولا أبيض منها ورقة ولا أطيب منها ثمرة فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فإذا أنا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت ريح فاطمة يا حميراء إن فاطمة ليست كنساء الآدميين ولا تعتل كما يعتلون " رواه الطبراني ..
حديث الثقلين :
روى مسلم في صحيحه عن زايد ابن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " وفي رواية " إني تارك فيكم الثقلين إحداهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحرض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " . وحديث الثقلين هو من أوثق الأحاديث النبوية وأشهرها وأعظمها أهمية ..
وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة : " إني وإياك وهذين يعني حسنا وحسينا وهذا الراقد يعني عليا في مكان واحد يوم القيامة ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أحب أهلي إليَّ فاطمة " .
أهــل العبـــاءة :
حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عوف عن أبي المعدل عطية الطفاوي عن أبيه أن أم سلمة حدثته قالت : " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوما إذ قالت الخادم إن عليا وفاطمة بالسدة قالت فقال لي قومي فتنحي لي عن أهل بيتي قالت فقمت فتنحيت في البيت قريبا فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما قال واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى فقبل فاطمة وقبل عليا فأغدف عليهم خميصة سوداء فقال : " اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي " فقلت : وأنا يا رسول الله ، فقال : وأنت " ..
تقدم لخطبتها كثير من الصحابة فردهم رسول الله بأدبه :
كان في طليعة الذين بادروا لخطبتها ابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم ، فكان صلى الله عليه وسلم يرد بقوله انتظر فيها أمر القضاء ، أو يقول لم ينزل القضاء بعد ، وتكرر ذلك حتى قال سعد بن معاذ الأنصاري للإمام علي : إني والله ما أرى رسول الله يريد بها غيرك ..
تقدم الإمام علي لخطبتها :
فذهب الإمام علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في بيت أم سلمة رضي الله عنها ، ففتحت له فدخل وسلم فقال له الرسول : " يا علي كأنك قاصد حاجة فتكلم فكل حاجتك مقضية"
فقال علي رضي الله عنه : " فداك أبي وأمي يارسول الله ، إنك أخذتني من عمك أبي طالب وأمي فاطمة بنت أسد ، في البر والشفقة ، فأنت يارسول الله ذخيرتي ووسيلي في الدنيا والآخرة ، وقد أحببت أن يكون لي بيت وزوجة أسكن إليها ، وقد أتيتك خاطباً ابنتك فاطمة ، فهل تزوجني يارسول الله ؟ ..
قالت أم سلمة فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تهلل فرحاً وسروراً ، ثم تبسم في وجه علي وقال : ياعلي هل معك شيء تقصدها ؟ ..
فقال الإمام علي : والله ما يخفى عليك حالي ولاشيء من أمري ما أملك غير سيفي وناضحي ودرعي ..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما سيفك فلا غنى لك عنه تجاهد به في سبيل الله ، وأما ناضحك فتنضح عليه لأهلك وتحمل عليه رحلك في سفرك ، ولكني زوجتك على درعك ورضيت به منك ، وأبشر يا أبا الحسن فإن الله عزوجل قد زوجك بها في السماء قبل أن أزوجك بها في الأرض .
وفي رواية : " أن علياً باع الدرع المذكورة وأشياء أخرى ، فاجتمع له منها أربعمائة أو أربعمائة وثمانون درهماً ، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يجعل ثلثاً في الطيب وثلثاً في الأمتعة ففعل .
وعن أنس رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغشيه الوحي فلما أفاق قال لي : يا أنس أتدري ما جاء به جبريل عليه السلام ؟ قال لي إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تزوج فاطمة من علي فانطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعددهم من الأنصار . فأنطلقت فدعوتهم فلما أخذوا مجالسهم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته العظيمة .
خطبة الرسول التي خطبها عند تزويجه لابنته فاطمة :
وهي السنة أن يخطب والد العروس خطبة وجيزة قد ماتت في أيامنا فقال رسول الله : " الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع لسلطانه المرهوب إليه من عذابه النافذ أمره في أرضه وسمائه الذي خلق الخلق بقدرته ونورهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سبباً لاحقاً و أمراً مفترضاً ، وحكماً عادلاً وخيراً جامعاً أوشج به الأرحام ، ( أي ألف به بينها وجعلها مختلطة مشتبكة ) وألزم به الأنام ، فقال تعالى : (( وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً )) و أمر الله يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري الى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب ، يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب و أشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال إن رضي علي بذلك .على السنة القائمة والفريضة الواجبة جمع الله شملهما وبارك لهما ، وأطاب نسلهما ، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ، وعادن الحكمة وأمن الأمة ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ..
انتهت الخطبة وكان الإمام علي غائباً في حاجة لرسول الله قد بعثه فيها . ثم دعا صلى الله عليه وسلم بطبق من تمر وفي رواية من بسر فوضع بين أيدينا وقال : انتهبوا فانتهبنا ، ودخل علي رضي الله عنه فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا علي إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة وإني قد زوجتكما على أربعمائة مثقال فضة فقال علي : رضيت يارسول الله وخر علي ساجداً شكراً لله تعالى ، فلما رفع رأسه من السجود قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله لكما وعليكما وأسعدكما و أخرج منكما الكثير الطيب ) ..
الجهاز البسيط :
ووزع النبي صلى الله عليه وسلم الصداق المذكور وهو الأربعمائة مثقال فضة أثلاثاً ثلث للطيب وثلث للملابس وثلث للأمتعة ( الأثاث ) ، وكان جهاز الزهراء رضي الله عنها في غاية البساطة والزهادة فهو كالآتي :
قميص وخمار وقطيفة وعباءة وسرير مشرط بشريط من الخوص وفراشين أحدهما محشو بالليف والآخر محشو بصوف الغنم وأربع وسائد من أدم حشوها إذخر ( وهو الأشنان ) وحصير ورحى ومخضب من نحاس لغسل الثياب ( وهو الطشت ) وقربة وقدح من خشب ومطهرة وجرة وكيزان كلها من الخزف .
أما الإمام علي فقد اقتصر إعداده لبيت الزوجية على مايلي :
فرش الحجرة بالرمل الناعم ، مدّ خشبة بين الحائطين لوضع الأمتعة عليها واحضر أهابا ومخدة حشوها ليف ومنشفة ومنخل فقط .
فهذه الصورة البسيطة لهذه الزيجة المباركة تحكى وتصور ماكان عليه أولئك الأئمة الأبرار من الزهد والقناعة فلم ينظروا إلى الدنيا ومتعاها وشهواتها وتحققوا بقول الرسول الكريم : " كن في الدنيا كعابر سبيل " فعسى أن تبعث هذه الصورة المشرقة من حياة أولئك الهداة البررة في النفوس التي تملكها حب الشهوات والملذات الدنيوية الفانية فلا هم لهم الا الجري وراءها والتفاخر بشهواتها عسى أن تبعث هذه الصور المشرقة في الناس اليوم روح التأسي والإقتداء ولو بعض الشيء بأولئك الذين قال لهم الله فيهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده .
سن الزهراء عند زواجها :
إن زواجها كان في السنة الثانية للهجرة وسنها آن ذاك ثمان عشر سنة .
لا أطيق فراقها فقرب بيتها مني :
وحينما تزوج سيدنا علي بن أبي طالب السيدة فاطمة رضي الله عنهما ، سكنوا بعيداً عن بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد الصحابة كان يمتلك بيتاً بجوار المسجد النبوي ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( إني لا أطيق فراق فاطمة ، اشتري منك البيت ؟ )) فقال الرجل : يا رسول الله أنا وبيتي في سبيل الله ..
ذريتها المباركة :
ولقد آثر الله فاطمة الزهراء بالنعمة الكبرى ، فحصر في ولدها ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم ففي السنة التالية لزواجها - وهي السنة الثالثة للهجرة - رزقت الزهراء بمولودها الأول وسماه جده الرسول الحسن ثم تلا في السنة التالية وهي السنة الرابعة للهجرة المولود الثاني فأسماه جده الرسول الحسين ، وقد تعلق صلى الله عليه وسلم بسبطيه هذين الحسن والحسين وأحبهما حباً شديداً وقال :" هما ريحانتاي من الدنيا " ، وقال :" هما سيد شباب أهل الجنة " ثم تلاهما بقية الذرية وهم زينب وأم كلثوم ومحسن الذي توفى صغيراً ..
النصيحة المباركة خير من الخادم :
روي البخاري أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادماً فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبرته , قال علي رضي الله عنه : فجاءنا و قد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم , فقال : مكانكما , فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري , قال : ألا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من خادم ؟ إذا أويتما إلى فراشكما , أو أخذتما مضاجعكما, فكبرا أربعاً و ثلاثين , و سبحا ثلاثاً و ثلاثين , و احمدا ثلاثاً و ثلاثين , فهذا خير لكما من خادم )) ..
حدثنا عبد الصمد حدثني أبي حدثنا محمد بن جحادة حدثني حميد الشامي عن سليمان المنبهي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده بإنسان فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة ، فقدم من غزاة له فأتاها فإذا هو يمسح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان فقسمته بينهما فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما فقال :" يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا " ..
أخذها عن والدها وروايتها للحديث :
أخذت الزهراء عن أبيها وروت عنه الكثير من الأحاديث ، وتلقت منه القران الكريم الذي تلقاه من الحكيم العليم القائل وأنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم . وروى عنها أبناها الحسن والحسين وأبوهما الإمام علي وحفيدتها فاطمة بنت الحسين بالواسطة وروت عنها السيدة عائشة وأم سلمة وأنس ابن مالك وغيرهم وذكروا أنها كانت قارئة كاتبة تحسن القراءة والكتابة وكانت القراءة والكتابة في ذلك الوقت قليلة لاسيما في النساء ..
إنها ليس لها ضرة :
عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : (( إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالب ، فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما ابنتي بَضعةٌ مني ، يريبني ما رآبها ويؤذيني ما آذاها )) رواه البخاري ..
وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم :
لقد مرت السيدة فاطمة رضي الله عنها بأحداث كثيرة ومتشابكة وقاسية للغاية وذلك منذ نعومة أظفارها حيث شهدت وفاة أمها ، ومن ثم أختها رقية وتلتها أختها زينب ثم أختها أم كلثوم . واحتملت حياة الفقر وكابدت بل كانت مثال الفتاة الصابرة المرابطة المهاجرة ولما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما إن سمعت فاطمة بذلك حتى هرعت لتوها لتطمئن عليه وهو عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
فلما رآها هش للقائها قائلا: مرحبا يا بنيتي ، ثم قبلها وأجلسها على يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديداً ، فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها - أي عائشة - : خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين سائر نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين ؟ فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها : ما قال لك رسول الله ؟ قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله سره.
قالت : فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله قالت : أما الآن فنعم. أما حين سارني في المرة الأولى. فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل سنة مرة ، وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري ، فإنه نعم السلف أنا لك. قالت فبكيت بكائي الذي رأيت : فلما رأى جزعي سارني الثانية ، فقال : يا فاطمة ، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ؟ وأنك أول أهلي لحوقا بي ؟ فضحكت .
واشتد الوجع على رسول الله واشتد حزن فاطمة فلما دفن عليه السلام قالت : " يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب " ، وبكت الزهراء أبيها، وبكى المسلمون جميعاً نبيهم ورسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وذكروا قول الله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) [آل عمران: 144].