راجى رحمه الله
21-Dec-2007, 08:44 PM
http://img255.imageshack.us/img255/117/88696395js2.gif
هدي الصحابة رضوان الله عليهم (مفهومه - مصادره - نماذج منه)
د/ رضا محمد صفي الدين السنوسي
الفصل الأول : هدي الصحابة ومصادره
قبل الشروع في الحديث عن هدي الصحابة - رضوان الله عليهم - ينبغي أن نعرف كلمة هدي ونعرف الصحابة - رضوان الله عليهم - حتى نستطيع أن نتعرف على معنى هذا التركيب ( هدي الصحابة ) .
المبحث الأول : تعريف الهدي لغة :
تعريف الهدي لغة : الهدي والهدية ويكسر الطريقة والسيرة يقال فلان يهدي فلان أي يفعل مثل فعله ويسير سيرته ، ومنه قولهم : ما أحسن هديه أي سمته وسكونه وهو حسن الهدي والهدية أي الطريقة والسيرة وما أحسن هديته .
وقال زياد بن زيد العدوي :
ويخبرني عن غائِب المرءِ هديُه كفى الهديُ عما غيبَ المرءَ مخبراً
والهدي : ما أهدي إلى مكة من النعم ومنه قوله تعالى : { حتى يبلغ الهدي محله }
ومنه قول الفرزدق :
حلفت برب مكةَ والمصلّى وأعناقِ الهدِىِّ مقلَّداتِ
والهدي إذا أطلق انصرف إلى الطريقة والسيرة يبين هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
1 - أخرج مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش ، يقول صبحكم ومساكم . ويقول : بُعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى . ويقول : (( أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مُحدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )) ثم يقول : (( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالاً فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي ))
قال النووي:خير الهدي هدي محمد ، أي أحسن الطرق طريق محمد يقال : فلان حسن الهدي أي الطريقة والمذهب
2 - أخرج الإمام أحمد في مسنده بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قالhttp://www.alsonaa.com/vb/images/smilies/frown.gif( بينما نحن عند رسول الله قال : إني لست أدري قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي يشير إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما واهدوا هدي عمار وعهد ابن أم عبد رضي الله عنهما ))
قال الزبيدي : واهدوا بهدي عمار ، أي سيروا بسيرته وتهيئوا بهيئته
المبحث الثاني : تعريف الصحابي لغة واصطلاحاً :
تعريف الصحابي في اللغة مشتق من الصحبة وهي في اللغة بمعنى الملازمة والانقياد وكل شيء لازم شيئاً فقد استصحبه
قال الزبيدي: صحبه، يصحبه صحابة، بالفتح ويكسر وهم أصحاب وأصاحيب وصحبان والصاحب المعاشر ، واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه ، وكل ما لازم شيئاً فقد استصحبه
وقال الأصفهاني : الصاحب الملازم إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن ، وهو الأصل والأكثر ، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته .
ويقال للمالك الشيء : هو صاحبه وكذلك لمن يملك التصرف فيه قال تعالى : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن }
والإصحاب للشيء : الانقياد له وأصله أن يصير له صاحباً
تعريف الصحابي في اصطلاح العلماء :
لقد تباينت أقوال العلماء في تعريف الصحابي والذي يعنينا في هذا المقام هو تعريف علماء الحديث وعلماء الفقه والأصول لهم .
أ - تعريف الصحابي عند المحدثين :
هو من لقي النبي يقظة ، مؤمناً به ، بعد بعثته ، حال حياته ومات على الإيمان
وهذا التعريف هو الذي مال إليه أكثر أهل الحديث .
يقول الإمام أحمد بن حنبل : بعد أن ذكر أهل بدر فقال ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله القرن الذي بعث فيهم كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه
وقال الإمام علي بن المديني : من صحب النبي أو رآه ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي
وقال الإمام البخاري : من صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه
ب - تعريف الصحابي عند الفقهاء والأصوليين :
هو من لقي النبي r يقظة ، مؤمناً به ، بعد بعثته ، حال حياته ، وطالت صحبته ، وكثر لقاؤه به ، على سبيل التبع له ، والأخذ عنه ، وإن لم يرو عنه شيئاً ، ومات على الإيمان
قال الدكتور عياده الكبيسي : والراجح في تعريف الصحابي هو ما ذهب إليه جمهور المحدثين وذلك لشرف منزلة النبي وعلو قدره وأن لصحبته مزية تختلف عن صحبة غيره
وبعد أن عرفنا معنى كلمة هدي وأتبعناها بشرح معنى الصحابي وتعريف العلماء له نستطيع الآن أن نعرف ما نحن بصدده وهو هدي الصحابة .
المبحث الثالث : تعريف هدي الصحابة :
هو السيرة التي سلكوها ، والنهج الإيماني الذي ساروا عليه وأثر فيهم وذلك باتباعهم للنبي rصلى الله عليه وسلم واقتدائهم به ، واقتداء غيرهم بهم - رضوان الله عليهم -
والمقصود بهذا هو دراسة تحليلية لحياة الصحابة - رضوان الله عليهم - واستخلاص العبر والعظات من حياتهم ، وأخذ الأسوة والقدوة منهم ، والوقوف على السمات البارزة ، باعتبارهم خير هذه الأمة بعد نبيهم محمد
1 - أخرج الإمام أحمد في مسنده بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن الله نظر في قلوب العباد ، فوجد قلب محمد r خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه ، فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ
2 - أخرج أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : من كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد كانوا خير هذه الأمة ، أبرها قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد كانوا على الهدي المستقيم والله رب الكعبة
المبحث الرابع : المصادر التي نستقي منها هدي الصحابة رضوان الله عليهم:
إن المصادر التي نرجع إليها للوقوف على هدي الصحابة - رضوان الله عليهم - كثيرة من أهمها :
أولاً - القرآن الكريم :
إن القرآن الكريم هو المصدر الأول لاستنباط سيرة هذا الجيل الذي تربى على القرآن في مدرسة النبوة على يدي رسول الله والقرآن الكريم لم يذكر أسماء الصحابة بالتعيين إلا في موضع واحد هو قوله تعالى : { فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها}لكن الآيات الكثيرة التي نزلت فيهم - رضوان الله عليهم - يمكننا أن نرجع إلى أسباب نزولها فنقف على الصحابي الذي نزلت فيه هذه الآيات ، وإلى كتب التفسير التي تفسر الآية وتبين المعاني العظيمة التي ذكرت فيها.
وسأذكر بعض الآيات وأترك للقارئ الكريم الرجوع إلى كتب التفسير وأسباب النزول للوقوف على أسماء الصحابة الذين أشير إليهم.
1 - قال تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل }.
2 - قال تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب }
3 - قال تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ، ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً }
4 - قال تعالى : { والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
ثانياً : كتب السنة النبوية المطهرة :
لقد جاءت كتب السنة تتحدث عن صحابة النبي وتذكر مالهم من الفضل والمكانة التي نالوها بما قدموا من تضحيات عظيمة في سبيل الله ، وما بذلوه من الأنفس والأموال إيماناً بالله وطاعة لرسوله والأحاديث في هذا كثيرة جداً ، فلو رجعنا إلى كتب السنة في أبواب متفرقة مثل كتاب المناقب ، كتاب فضائل أصحاب النبي ، كتاب مناقب الأنصار ، كتاب المغازي وغيرها .
ولو جمعنا الأحاديث التي رويت في هذه الأبواب من صحيح البخاري ، لبلغت قرابة ألف حديث هذا في كتاب البخاري في هذه الأبواب الأربعة ، فكيف لو درسنا الكتاب كله واستخرجنا هذه الأحاديث ، لبلغت أكثر من ذلك هذا كله يدل على مدى العناية العظيمة بما يتعلق بأصحاب رسول الله ، وأنهم محل الأسوة والقدوة لمن جاء بعدهم .
ثالثاً : كتب السيرة النبوية :
تعد هذه الكتب مصدراً هاماً في معرفة أخبار الصحابة - رضوان الله عليهم - وذكر وقائعهم وسيرهم ، وجهادهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكل حدث من أحداث السيرة له ارتباط بالصحابة - رضوان الله عليهم - ، في الهجرة ، في الغزوات ، في الصلح ، في بناء الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة فكل أحداث السيرة تدور حول النبي r وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -
رابعاً : كتب التاريخ :
وهذه الكتب قد احتوت على مادة غزيرة تحكي تفصيلات واسعة عن صحابة رسول الله فمن هذه الكتب التي تتحدث عن تاريخ الإسلام :
أ - تاريخ الرسل والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة 310 هـ .
ب - الكامل في التاريخ للإمام محمد بن محمد بن عبــد الكريم الشيبــاني المعروف بابن الأثــير الجزري المتوفى سنة 630 هـ .
جـ - تاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748 هـ .
د - البداية والنهاية للإمام عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير المتوفى سنة 774 هـ . وغيرها من الكتب إلا أن هناك كتباً قد تخصصت في تراجم الصحابة وذكر سيرهم ومآثرهم وبعض أقوالهم التي تروى عنهم ومن هذه الكتب :
خامساً : كتب التراجم والطبقات :
1 - الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد البصري المتوفى سنة 230 هـ .
2 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد القرطبي المتوفى سنة 463 هـ .
وقد ضَمَّن كتابه هذا جملة من تراجم الصحابة إلا أنه لم يستوعبهم وفاته من أسمائهم الكثير وقد ترجم لقرابة 3650 صحابياً .
3 - أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير الجزري المتوفى سنة 630هـ
وقد اعتمد في كتابه هذا على ابن مندة وأبي نعيم والاستيعاب وجملة من ترجم لهم 7702
4 - تجريد أسماء الصحابة للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748 هـ وجملة من ترجم لهم 4190 صحابياً .
5 - الإصابة في تمييز الصحابة للإمام أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ وكتابه هذا أجمع كتاب في ذكر أسماء الصحابة حيث يشتمل على تراجم 12304 من أصحاب رسول الله r وكتابه هذا أصل في أسماء الصحابة وقد عول عليه كثير من العلماء ولم يؤلف مثله في فنه إلى غير ذلك من الكتب التي ألفت في هذا الباب .
6 - حياة الصحابة رضي الله عنهم للعلامة محمد يوسف الكاندهلوي.
الفصل الثاني : نماذج من هدي الصحابة رضوان الله عليهم
إن النماذج لهدي الصحابة كثيرة جداً وسوف نقتصر في هذا البحث على بعض النماذج ونشرع في تعريفها والحديث عنها مع ضرب الأمثلة لذلك وهذه النماذج هي :
المبحث الأول : حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الإيمان بالله عز وجل هو أسمى المطالب التي يسعى الموفقون من عباد الله لتحصيله ، لأن الإيمان بالله حقاً وصدقاً هو أساس السعادة في الدنيا والآخرة ، ولهذا الإيمان المنشود دعامة لابد منها ، وهذه الدعامة هي الحب الحقيقي للرحمة المهداة ، فمحبة رسول الله هي الوسيلة الموصلة إلى محبة الله عز وجل ، ومحبة الله ورسوله هي الدين كله ، وعليها مدار الهداية والتقوى والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }
إن محبة رسول الله ركن ركين في حقيقة الإيمان فلا يتم إيمان عبد إلا بمحبته لرسول الله r أخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ))
وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال :
(( فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ))
وحقيقة المحبة لرسول الله تقتضي المتابعة له وموافقته في حب المحبوبات ، وبغض المكروهات ، ونصرة دينه بالقول والفعل ، والتخلق بأخلاقه ، والاقتداء بما جاء به من شرائع وسنن وتقديم أمره على كل شيء ، إذ الحب الحقيقي هو الذي يكون فيه المحب تابعاً لمحبوبه في أقواله وأفعاله وأخلاقه ، متأسياً به في كل شأن من شؤون حياته ، إن المؤمن لا يزكو ولا يصلح قلبه إلا إذا سكنت محبة النبي في قلبه ، والحديث عن محبة النبي حديث الإيمان الصادق ، والطريق الحق ، وهو حديث ذو شجون يحبه المؤمن ، ويحن إليه دائماً لأنه به يعلم حقيقة الإيمان الذي استقر في قلبه .
وعندما نتحدث عن محبة النبي تبرز لنا القمم الشامخة من أصحاب رسول الله الذين ضربوا أروع الأمثلة في ذلك الحب العظيم لرسول الله ، لقد قطعوا مراتب المحبة وأقسامها حتى وصلوا إلى أعلى مراتبها بالغين الكمال في ذلك ، لقد امتزجت محبة النبي صلى الله عليه وسلم في أجسامهم وأرواحهم والأمثلة على ذلك كثيرة .
الأمثلة :
1 - أخرج البخاري بسنده عن أنس رضي الله عنه قال : (( لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي r وأبو طلحة بين يدي النبي مُجوب عليه بحجَفهٍ له .
وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً ، وكان الرجل يمرُ معه بجعْبهٍ من النبل فيقول : انثُرها لأبي طلحة ، قال : ويُشرفُ النبيُ ينظرُ إلى القوم فيقوُل أبو طلحة : بأبي أنت وأمي ، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك ... الحديث ))
2 - أخرج أبو داود بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله الرجل يُحب القوم ولا يستطيع أن يعمل كعملهم ، قال : (( أنت يا أبا ذر مع من أحببت ، قال : فإني أحب الله ورسوله ، قال : فإنك مع من أحببت ، قال : فأعادها أبو ذر ، فأعادها رسول الله
3 - أخرج الطبراني في الأوسط بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا رســول الله ، والله إنك لأحب إلي من نفسي ، وإنك لأحب إلي من أهلي ، وأحب إلي من ولدي ، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك ، فأنظر إليك ، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا آراك ، فلم يرد عليه النبي حتى نزل جبريل بهذه الآية :
{ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين }
قال الهيثمي رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة
4 - أخرج الحاكم بإسناده عن محمد بن سيرين قال ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما قال : فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر ، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه ، وساعة خلفه ، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي ؟ )) فقال : يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال : (( يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني ؟ )) قال نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمه إلا أن تكون بي دونك ، فلما انتهيا إلى الغار ، قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار فدخل واستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة فقال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجرة فدخل واستبرأ ثم قال انزل يا رسول الله فنزل فقال عمر والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه ولم يخرجاه .
قال الذهبي : صحيح مرسل
5 - ذكر القاضي عياض أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ
المبحث الثاني : توقيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم:
قال ابن كثير - رحمه الله - : التوقير هو الاحترام والإجلال والإعظام
إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره في حياته وبعد وفاته شعبة من
شعب الإيمان .
قال البيهقي : باب في تعظيم النبي وإجلاله وتوقيره قال : وهذه منزلة فوق المحبة لأنه ليس كل محب معظماً إلا أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه .
قال : وقد بسط الحليمي - رحمه الله - الكلام في ذلك فقال : معلوم أن حقوق رسول الله أجل وأعظم وأكرم وألزم وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم ، والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة ، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة ، فهدانا به لما أطعناه وآوانا إلى جنات النعيم فأية نعمة توازي هذه النعم وأية منه تداني هذه المنن ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته وتوعدنا على معصيته ، ووعدنا باتباعه الجنة فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة ، وأي درجة تساوي في العمل هذه الدرجة ، فحق علينا إذاً أن نحبه ونجله ونعظمه ونهيبه أكثر من إجلال كل عبد سيده وكل ولد والده
وقد أمرنا مولانا سبحانه في كتابه العزيز بتوقير نبيه قال تعالى :
{ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه }وفي القرآن الكريم آيات كثيرة جاءت لتؤكد وجوب توقيره منها قوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً } وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله }ومنها قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون }
وغير ذلك من الآيات التي توجب توقيره وتعظيمه ، وتبين للأمة مكانة هذا النبي الكريم .
ولقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - أعرف الأمة بالنبي ولذلك فقد كانوا أعرف وأعلم بقدره ومنزلته من غيرهم .
ولهذا كان تعظيمهم وتوقيرهم لرسول الله أشد وأكبر من غيرهم والأمثلة على ذلك كثيرة جداً .
الأمثلة :
1 - أخرج البخاري بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبية في حديث طويل وفيه ، ثم إن عروة - بن مسعود - جعل يرمُقُ أصحاب النبي بعينه قال فوالله ما تنَخَم رسول الله نُخامة إلا وقعت في كف رجُل منهم فدلكَ بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهُم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادُوا يقتتَلون على وضُوئه ، وإذا تكلموا خَفضَوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ... الحديث
2 - أخرج مسلم بسنده عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في حديث إسلامه وفيه -وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، ولوسئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه..الحديث
3 - أخرج مسلم بسنده عن أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي نزل عليه ، فنزل النبي في السفل وأبو أيوب في العلو وقال فانتبه أبو أيوب ليلة فقال : نمشي فوق رأس رسول الله فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي فقال النبي السفل أرفق ، فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها ، فتحول النبي في العلو وأبو أيوب في السفل فكان يصنع للنبي طعاماً فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه ، فيتتبع موضع أصابعه ، فصنع له طعاماً فيه ثوم فلما رُد إليه سأل عن موضع أصابع النبي فقيل له : لم يأكل ، ففزع وصعد إليه ، فقال : أحرام هو ؟ فقال النبي : لا ، ولكني أكرهه ، فقال فإني أكره ما تكره أو ما كرهت
4 - أخرج ابن حبان بسنده عن أسامة بن شريك قال كُنا عند النبي كأن على رؤوسنا الرخم ما يتكلم منا مُتكلم ، إذ جاءه ناس من الأعراب فقالوا : يا رسول الله ، أفتنا في كذا ، أفتنا في كذا ، فقال (( أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا امرءاً اقترض من عرض أخيه فذاك الذي حرج وهلك )) .
قالوا : أفنتداوى يا رسول الله ؟ قال : (( نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء غير داء واحد . قالوا : وما هو يا رسول الله ؟ قال : الهرم . قالوا : فأي الناس أحب إلى الله يا رسول الله ؟ قال : أحــب النــاس إلى الله أحسنــهم خلقاً ))
5 - ذكر القاضي عياض عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنـه قـال : كـان أصحـــاب رسول الله يقــرعون بابه بالأظافر
المبحث الثالث : جهادهم في سبيل الله بالأنفس والأموال :
جاء النبي محمدٌ رحمه لأمته ، جمع الله به القلوب ، ووحد به الكلمة ، وأنار به السبيل وقطع به عن العرب حروب الثأر والعار ، وحدد اتجاه السيف من أداة عدوان وإنتقام ، إلى أداة دفاع وردع ودعوة للإيمان ، وجهاد في سبيل الرحمن لإعلاء كلمة لا إله إلا الله .
إن الجهاد في الإسلام هو بذل الجهد في مقاتلة الكفار لقد شرع الله الجهاد وجعله فريضة من أعظم الفرائض وركناً من أقوم الأركان وواجباً من أجل الواجبات قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين }
ولما كان أمر الجهاد عظيماً فإن ثواب المجاهدين عظيم كذلك فدرجة المجاهدين عند الله أعظم الدرجات وثوابهم أجزل الثواب يبين هذا نبي الملحمة .
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي : (( من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها . فقالوا : يا رسول الله أفلا نبشر الناس ؟ قال : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ).
وقد شرع الله الجهاد لحكم عظيمة ومنافع كبيرة فالجهاد يحفظ للأمة بقاءها ويشد بنيانها ويثبت سلطانها ويعلي كلمتها ، ويحقق أهدافها في نشر هذا الدين ، وبه يرهب الأعداء وهو علاج لكل فساد وطغيان .
ولهذا فإن الله سبحانه قد فرض الجهاد على الأنبياء وأتباعهم وكان سيد المجاهدين نبينا محمد قد جاهد الأعداء في غزوات كثيرة .
أخرج مسلم بسنده عن بريدة رضي الله عنه قال غزا رسول الله تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهاولمكانة الجهاد في نفسه فإنه كان يتمنى ألا يتخلف عن سرية تغزو في سبيل الله .
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي يقول : (( والذي نفسي بيده ، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله ، والذي نفسي بيده لوددت أني اقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم اقتل ثم أحيا ، ثم اقتل ثم أحيا ، ثم اقتل ))
وقد أدرك أصحابه - رضوان الله عليهم - فضل الجهاد وعظيم منزلته عند الله فتسابقوا - رضوان الله عليهم - في بذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله سبحانه وضربوا أروع الأمثلة في جهاد أعداء الله فباعوا أنفسهم لمولاهم الله سبحانه فعوضهم بها الجنة قال تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }
ولقد كانوا - رضوان الله عليهم - فرسان السيف والسنان وضربوا لمن جاء بعدهم أروع الأمثلة في بذل النفس والمال في سبيل الله تعالى .
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً - رضوان الله عليهم أجمعين -
الأمثلة :
1 - أخرج مسلم بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل وفيه فقال رسول الله : (( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض قال : يقول عُمير بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ قال : نعم ، قال بخ بخ . فقال رسول الله : ما يحملك على قولك بخ بخ . قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها ، قال فإنك من أهلها ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ))
2 - أخرج مسلم بسنده عن أنس رضي الله عنه قال عمي الذي سُميت به - يعني أنس بن النضر - لم يشهد مع رسول الله بدراً ، قال فشق عليه ، قال : أول مشهد شهده رسول الله r غُيبت عنه ، وإن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله ليراني الله ما أصنع . قال : فهاب أن يقول غيرها . قال فشهد مع رسول الله يوم أحد . قال : فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس : يا أبا عمرو أين ؟ فقال : واها لريح الجنة أجده دون أحد . قال فقاتلهم حتى قتل قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية قال فقالت أخته عمتي الرُبيع بنت النضر : فما عرفت أخي إلا ببنانه . ونزلت هذه الآية : { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً } [ 23 / الأحزاب ] قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه([52]) .
3 - أخرج الحاكم بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة ففرغها عثمان في حجر النبيصلى الله عليه وسلم قال (( فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول ماضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم قالها مراراً )) .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، قال الذهبي : صحيح.
4 - أخرج أبو داود بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك مالاً عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً . فجئت بنصف مالي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله . قال : وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله . قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً ))
5 - أخرج الحاكم بسنده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال (( لي إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له يقول لك رسول الله كيف تجدك ؟ قال فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم فقلت له : يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول لك خبرني كيف تجدك ؟ قال على رسول الله السلام وعليك السلام قل له يا رسول الله أجدني أجد ريح الجنة وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف قال وفاضت نفسه رحمه الله )) .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . قال الذهبي : صحيح.
المبحث الرابع : زهدهم في الدنيا وبعدهم عن الترف
في غمار الشهوات الطاغية على الناس ، وفي سُعار التكالب على هذه الحياة الدنيا ، والحرص على شهواتها ولذاتها الفانية ، وفي الطوفان الجارف للناس ، نحو الخلود إلى الدنيا والاستزادة منها ، ينبغي على المؤمن التقي أن لا يركن إلى هذه الدنيا الفانية ، بل يجعلها وسيلة يتوسل بها إلى بلوغ الآخرة الباقية لأن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر ، لهذا كان عليه أن يزهد في الدنيا لبلوغ الآخرة والزهد هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة .
وقد عُني القرآن عناية واضحة بهذا فراح يحث أتباعه على إيثار الآخرة على الفانية قال تعالى : { بل تؤثرون الحياة الدنيا ، والآخرة خير وأبقى } وقال تعالى : { وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع }وجاء الرحمة المهداة فضرب لنا المثل الأعلى في الزهد والإعراض عن ملذات الحياة أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( اللهم ارزق آل محمد قوتاً ))ومن زهده أنه خرج من الدنيا ولم يشبع ثلاثة أيامٍ تباعاً من خبز البر بل إنه كان يكتفي بالقليل من الزاد وكان ينام على الحصير وكان فراشه من أدم وحشوه ليف ولما أراد الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يجعلوا له فراشاً ليناً أعرض عن ذلك يبين هذا ما أخرجه الترمذي بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : نام رسول الله على حصير فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء . فقال: مالي وما للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
ولقد فهم أصحاب رسول الله حقيقة هذه الدنيا فجعلوها مطية يتوصلون بها إلى الآخرة فكانوا من أزهد الناس في هذه الحياة قال بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الزهاده في الدنيا راحة القلب والجسد
ولقد أدرك أصحاب رسول الله حقيقة هذه الدنيا فجعلوها وسيلة لبلوغ الآخرة وضربوا أروع الأمثلة في الزهد فيها وعدم اشغال القلب بها والأمثلة على ذلك كثيرة .
الأمثلة :
1 - أخرج الترمذي بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال حدثني من سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : خرجت في يوم شات من بيت رسول الله وقد أخذت إهاباً معطوباً فحولت وسطه فأدخلته عُنقي وشددت وسطي فحزمته بخوص النخل ، وإني لشديد الجوع ولو كان في بيت رسول الله طعام لطعمت منه فخرجت ألتمس شيئاً ، فمررت بيهودي في مال له وهو يسقى ببكرة له فاطلعت عليه من ثلمة في الحائط فقال مالك يا أعرابي ؟ هل لك في كل دلو بتمرة ؟ قلت : نعم فافتح الباب حتى أدخل . ففتح فدخلت فأعطاني دلوه . فكلما نزعت دلواً أعطاني تمرة حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت حسبي فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت المسجد فوجدت رسول الله فيه
قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب
2 - أخرج ابن شبه بسنده عن حفص بن أبي العاص قال : كان عمر رضي الله عنه يغدينا بالخبز والزيت والخل . والخبز واللبن ، والخبز والقديد . وأول ذلك اللحم الغريض . يأكل وكنا نُعذر ، وكان يقول : لا تنخلوا الدقيق فكله طعام . وكان يقول : مالكم لا تأكلون ؟ فقلت يا أمير المؤمنين : إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك . قال : يا ابن أبي العاص أما تراني عالماً أن ارجع إلى دقيق ينخل في خرقة فيخرج كأنه كذا وكذا ؟ أما تراني عالماً أن اعمد إلى عناق سمينة فنلقى عنها شعرها فتخرج كأنها كذا وكذا ، أما تراني عالماً أن اعمد إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء وأصب عليه من الماء فيصبح كأنه دم الغزال ؟ قال قلت : أحسن ما يبعث العيش يا أمير المؤمنين . قال أجل والله لولا مخافة أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في لين عيشكم ولكن سمعت الله ذكر قوماً فقال : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا
3 - أخرج أبو داود بسنده عن حميد بن هلال قال : أوخي بين سلمان وأبي الدرداء . فسكن أبو الدرداء الشام وسكن سلمان الكوفة . فكتب أبو الدرداء إلى سلمان : سلام عليك أما بعد : فإن الله قد رزقني بعدك مالاً وولداً وأنزلت الأرض المقدسة . قال : فكتب سلمان إليه : سلام عليك أما بعد فإنك كتبت إلي أن الله رزقك بعدي مالاً وولداً . وإن الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن الخير أن يعظم حلمك . وأن ينفعك علمك . وكتبت إلي أنك نزلت الأرض المقدسة . وأن الأرض لا تعمل لأحد . فاعمل كأنك تُرى واعدد نفسك في الموتى
4 - أخرج أبو داود بسنده عن ابن سيرين قال : لما بعث عمر حذيفة إلى المدائن ركبوا إليه ليتلقوه . فتلقوه على بغل تحته إكاف ، وهو معترض عليه رجليه من جانب واحد ، فلم يعرفوه ، فأجازوه فلقيهم الناس ، فقالوا : أين الأمير ؟ قالوا هو الذي لقيتم ، فركضوا في أثره . فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عِرق وهو يأكل ، فسلموا عليه . قال : فنظر إلى عظيم منهم فناوله العرق والرغيف قال فلما غفل حذيفة ألقاه أو قال أعطاه خادمه
5 - أخرج أبو داود بسنده عن نافع قال : إن كان ابن عمر ليقسم في المجلس الواحد ثلاثين ألف درهم ، ثم يأتي عليه الشهر ما يأكل مزعة لحم . قال: قلت فهل كان ياكل اللحم شهراً ؟ قال : إذا صام أو سافر فإنه كان أكثر طعامه
المبحث الخامس : حرصهم على العلم ومسارعتهم إليه
الإسلام دين العلم والمعرفة . ولقد حثّ أمته على طلب العلم وإعمال الفكر والعقل والبحث والتفكير في كل ميدان من ميادين العلم ، وكل مجال من مجالات الحياة . وما ذلك إلا لأن العلم روح الحياة ، وأساس النهضات وعماد الحضارات ، ووسيلة التقدم والرقي للأفراد والجماعات ، والإسلام دين الحياة الصالح لكل زمان ومكان هو دين ودنيا ، عبادة وحياة ، دين جامع يربط الإنسان بالعبادة والقيم والأخلاق ، دين يتغلغل في صميم الحياة ويضع الأسس والقواعد التي تكفل السعادة للبشر على ظهر هذه الأرض والشريعة الإسلامية قائمة على العلم والدعوة إليه ومعجزة الرحمة المهداة كانت كتاباً يتلألأ بالعلم الصحيح والمعرفة الحقة . وأول آية نزلت من هذا الكتاب المبارك نزلت تدعو للعلم وتعظم شأن المعرفة قال تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان مالم يعلم } ولما كان العلم يسمو بالإنسان ويرفع قدره فقد أمر الله سبحانه الملائكة بالسجود لآدم لما فضله به عليهم من العلم . ورسولناكان قدوة الداعين إلى العلم بأقواله وأفعاله وطلب من أمته طلب العلم والسعي لبلوغ ذلك ، وبين لهم الجزاء المنتظر لمن طلب العلم وسعى إليه .
أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ))ولقد كان لعناية المعلم الأول صلوات الله وسلامه عليه الأثر الكبير في صحابته
- رضوان الله عليهم - وسعيهم لطلب العلم وحرصهم عليه مع العمل بما قد تعلموا ، وعظم أمر العلم عندهم وارتفعت درجة العلماء بين صحابة النبي وأصبح العلم هو المجال الرحب الذي يتنافسون فيه ويبادرون إليه فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول اغدو عالماً أو متعلماً ولا تغدوا إمعة بين ذلك
ولقد رحل الصحابة - رضوان الله عليهم - في طلب العلم ونشره وخرجوا إلى الشام ومصر والكوفة والبصرة يعلمون الناس فهم - رضوان الله عليهم - حفظة القرآن الذين نقلوه إلينا غضّاً طرياً كما أنزل وهم أوعية السنة النبوية المباركة فقد حفظوها ونقلُولها للناس كما سمعوها من الرحمة المهداة صلوات الله وسلامه عليه . ولقد كانوا يطبقون ما يتعلمون من العلم في واقع حياتهم اليومية فتعلموا العلم والعمل معاً ، وكانوا أسوة وقدوة لمن جاء بعدهم، ولقد ضربوا لمن جاء بعدهم أروع الأمثلة في الحرص على العلم والسعي إليه والعمل به - رضوان الله عليهم أجمعين -
الأمثلة :
1 - أخرج أحمد في مسنده بسنده عن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله فاشتريت بعيراً ثُم شددت عليه رحلي . فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس . فقلت للبواب : قل له جابر على الباب . فقال : ابن عبد الله ؟ قلت : نعم . فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته فقلت : حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله في القصاص . فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن اسمعه . قال سمعت رسول الله يقول : (( يحشر الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عُراةً غُرلاً بهماً . قال : قلنا : وما بهما ؟ قال : ليس معهم شيء . ثم يناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعُه من قرب أنا الملك . أنا الديان . لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حتى أُقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصّه منه . حتى اللطمة . قال : قلنا : كيف وإنا نأتي الله عز وجل عُراة غُرلاً بهماً ؟ قال : بالحسنات والسيئات )
2 - أخرج البخاري بسنده عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله يتوضأ ؟ فقال عبد الله بن زيد : نعم . فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين . ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه . ثم غسل رجليه. قلت : وفي هذا إشارة إلى حرصهم على العلم والتعليم والتعلم .
3 - أخرج أحمد بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان
عبد الله ابن رواحة رضي الله عنه إذا لقي الرجل من أصحابه يقول : تعال نؤمن بربنا ساعة ، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل ، فجاء إلى النبي فقال : يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة . فقال النبي : (( يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تباهي بها الملائكة عليهم السلام ))
4 - أخرج البخاري بسنده عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً . ثم يتلو { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم } إن اخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق . وإن اخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أحوالهم . وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله بشبع بطنه . ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون
5 - أخرج أبو يعلى بسنده عن حميد قال : سئل أنس عن كسب الحجام فلم يقل فيه حلالاً ولا حراماً . وقال : قد احتجم رسول الله حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام وكلم رسول الله - يعني أهله - فخففوا من غلته ، أو من ضريبته ، وقال خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز
المبحث السادس : خطبهم ومواعظهم
لقد بلغ العرب من الفصاحة والبلاغة والبيان ما لم تبلغه أمة من الأمم قبلهم وكان الشعراء والبلغاء هم فخر القبيلة وعزها ومجدها ، إذا قالوا فالقول قولهم ، وإذا تكلموا فالكلمة كلمتهم كلامهم يرفع ويخفض ، يرفع أناساً ويضع آخرين ، بلغ من عز الكلمة وشرفها ومكانتها عند العرب أن كانت تعلق في جوف الكعبة ، أقدس مكان عندهم وأشرفه وأعز بنيان لديهم .
وعندما بعث رسول الله إلى الناس جاءهم بمعجزة لم يأت بها نبي ألا وهي كتاب الله الذي كان يتلى ويقرأ بينهم كتاب فاق كلامه كلام البشر ، وعلا قدره على الإنسن والجن.
وكان رسول الله أفصح الناس وأبلغهم وأخطبهم . وقد أعطاه مولاه جوامع الكلم يبين هذا ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول : بعثت بجوامع الكلم
إن فصاحته في ذروة الكمال ، بُعد عن التكلف في القول ، جزالة في اللفظ وضوح في الدلالة ، دقة في الوصف والتعبير ، ابداع في التشبيه والتصوير، إيجاز في القول ، مطابقة لمقتضى الحال ، وكان لحركته وإشارته أثر كبير في إثارة الانتباه وتنبيه الغافل ، وهي تعين على الحفظ فمن ذلك أنه ذكر القلب ، فأشار إلى صدره الشريف وقال : التقوى هاهنا . وذكر فضل كافل اليتيم . فقرن بين السبابة والوسطى وفرق بينهما ، إن خطبه تلامس شغاف القلب وتؤثر فيه تأثيراً عظيماً
ومنه تعلم الصحابة - رضوان الله عليهم - فنون الخطابة ولقد بلغت الخطابة زمن الخلفاء الراشدين المكانة المرموقة ، فكان الخلفاء خطباء يخطبون الناس في الجمع والأعياد ويخطبون في الجيوش ويوجهون القادة وكانت خطبهم اقتباساً من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة فاكتسبت بذلك قوة التأثير، ووصلت إلى شغاف القلوب ، وكانت تقوم على الحقائق الملموسة والمسائل الواقعية ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها .
الأمثلة :
1 - أخرج أبو داود بسنده عن قيس : خطبنا أبو بكر رضي الله عنه قال: وُلّيتُ أمركم ولست بخيركم . فإن أنا أحسنت فأعينوني . وإن أنا أسأت فسددوني وإن لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا اوثر في أجسادكم ولا أبشاركم
2 - أخرج أبو داود بسنده عن قبيعة بن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ، ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ، وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ، وعليك بصالح الاخوان ، أكثر اكتسابهم . فإنهم زين في الرخاء ، وعدة عند البلاء ، ولا تسأل عما لم يكن حتى يكون . فإن في ما كان منعه عن ما لم يكن ، ولا تهاون بالحلف بالله فيهينك الله ، وذل عند الطاعة . واستغفر عند المعصية . ولا تستعن على حاجتك إلا من يحب نجاحها . ولا تستشر إلا الذين يخافون الله . ولا تصحب الفاجر فتعلم من فجوره وتخشع عند القبور
3 - أخرج أبو داود بسنده عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال : ألا انبئكم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يؤمنهم مكر الله . ولم يترك القرآن إلى غيره . ألا لا خير في عبادة ليس فيها الفقه . ولا خير في فقه ليس فيه تفهم . ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر
4 - أخرج أبو داود بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله - يعني ابن مسعود رضي الله عنه - ثلاث حقاً على الله أن يفعلهن بالعبد ، يأتيه عبد لا يشرك به شيئاً فيكله إلى غيره ، ولا يجعل من لهم سهم في الإسلام كمن لا سهم له . ولا يحب رجل قوماً إلا حشره الله معهم يوم القيامة ، والرابعة أرجو أن يكون نفعاً لا يستر الله عبداً في الدنيا إلا ستره في الآخرة
5 - أخرج أبو داود بسنده عن علي بن حوشب عن أبيه أنه سمع أبا الدرداء رضي الله عنه على المنبر يخطب الناس وهو يقول : إني لخائف يوم ينادي مناد فيقول : يا عويمر . فأقول : لبيك رب لبيك . فيقول : أما علمت ؟ فأقول : نعم . فيقال : كيف عملت فيما علمت ؟ فتأتيني كل آية من كتاب الله زاجرة أو آمرة فتسألني فريضتها فتشهد علي الآمرة بأني لم أفعل . وتشهد علي الزاجرة بأني لم أنته . أو اترك ؟ فأعوذ بالله من قلب لا يخشع ، ومن عقل لا ينفع ، ومن صوت لا يسمع . وأعوذ بالله من دعاء لا يجاب
المبحث السابع : أخلاقهم التي اتصفوا بها
إن أجمل شيء يتجمل به الإنسان في هذه الحياة تقوى الله وحسن الخلق . فالتقوى تجعله من عباد الله المكرمين ، قال تعالى : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً }وحسن الخلق يدخله في عباد الله الصالحين الذين سبقت له من الله سبحانه الحسنى وزيادة . وقد فازوا بعز الدنيا ونعيم الآخرة .
أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الناس الجنة . قال : تقوى الله وحسن الخلق . وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار . قال : الفم والفرج
إن الدين الإسلامي هو دين الأخلاق والسجايا الحميدة ، إن مكارم الأخلاق أساس هذا الدين ، فالإسلام يربط دائماً بين الإيمان والأخلاق ، فكمال الأخلاق يدل على قوة الإيمان ، وضعف الأخلاق يدل على ضعف الإيمان ، فالأخلاق الفاضلة هي المنارات الزاهرة التي تضيء الدنيا ، وتشع على الوجود بالأمان والاطمئنان والاستقرار ، وربُنا سبحانه وتعالى لم يرسل رسله المكرمين إلا ليكونوا هداة الأمة إلى الحق وإلى مكارم الأخلاق . ونبينا محمد r هو الموصوف بالخلق العظيم وصفه مولانا سبحانه في محكم التنزيل قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم }وقد بين لنا بأقواله وأفعاله مكانه الأخلاق والدرجة العالية التي يصل إليها أهل الأخلاق الحسنة .
أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله : (( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً خياركم خياركم لنسائه خلقاً ))
ويرتقي صاحب الخلق الحسن إلى درجة القرب من مجلس الحبيب ليحظى بالشرف العظيم بمصاحبة الحبيب في يوم القيامة .
أخرج الترمذي بسنده عن جابر رضي الله عنهما أن رسول الله قال :
(( إن من أحبــكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وإن أبغضكم إلـي وأبعدكـم مـني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون ، قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال المتكبرون ))
ولقد طبق الصحابة - رضوان الله عليهم - ما سمعوه من حبيبهم من حث على الأخلاق الحسنة وتمسك بها وعمل بها وما شاهدوه منه من كمال أخلاقه فكانوا نماذج عظيمة لمن جاء بعدهم في التمسك بالأخلاق الفاضلة ، والعمل بها مع أهلهم وإخوانهم بل حتى مع أعدائهم والأمثلة على ذلك كثيرة جداً .
الأمثلة :
1 - الصبر عند المصيبة :
أخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان ابن لأبي طلحة يشتكي ، فخرج أبو طلحة ، فقبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم : هو اسكن ما كان ، فقربت إليه العشاء فتعشى ثم أصاب منها ، فلما فرغ قالت : وار الصبي فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله فأخبره فقال : أعرستم الليلة ؟ قال : نعم . قال : اللهم بارك لهما في ليلتهما . فولدت غلاماً . قال لي أبو طلحة : احفظه حتى نأتي به النبي ، فأتى به النبي وأرسلت معه بتمرات ، فأخذه النبي فقال : أمعه شيء ؟ قالوا : نعم ، تمرات فأخذها النبي فمضغها ثم أخذ من فيه فجعلها في فيّ الصبي فحنكه بها وسماه عبد الله
2 - الوفاء بالعهد :
أخرج مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل قال : فأخذنا كفار قريش قالوا : انكم تريدُون محمداً ؟ قلنا ما نريدهُ ، ما نُريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه . فأتينا رسول الله فأخبرناه الخبر فقــال : انصــرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم
3 - الحياء :
أخرج أحمد في مسنده عن الحسن وذكر عثمان بن عفان رضي الله عنه وشدة حيائه . فقال : إن كان ليكون في البيت والباب عليه مُغلق ، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يُقم صُلبه
4 - التواضع :
أخرج الحاكم بسنده عن طارق بن شهاب قال : خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فأتوا على مخاضه وعمر على ناقة له فنزل عنها . وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه ، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة ، فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك ، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك ، فقال عمر : أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . ووافقه الذهبي .
5 - الخشية من الله :
أخرج البخاري بسنده عن الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا - قال أبو شهاب بيده فوق أنفه
المبحث الثامن : فقههم وآراؤهم الاجتهادية
لقد حرص النبي على تعليم أصحابه - رضوان الله عليهم - ومن بعدهم الاجتهاد في الأحكام وعد ذلك العمل مما يثاب عليه المجتهد .
أخرج البخاري بسنده عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول : (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ))
وهذا التوجيه النبوي الكريم طبقه الصحابة - رضوان الله عليهم - فكانوا يجتهدون في حياته وهويقرهم على ذلك إذا أصابوا ويُبين لهم الأولى إذا خالفوا الصواب .
أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي لنا لما رجع من الأحزاب : (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي فلم يعنف واحداً منهم ))ولهذا لما انقضى عصر النبي الذي تم فيه التشريع الإلهي في الكتاب والسنة وتم الأصلان العظيمان اللذان يرجع إليهما وبدأ عصر الصحابة رضوان الله عليهم وبدأ الفقه بالنمو والاتساع فقد واجه الصحابة وقائع وأحداثاً ما كان لهم بها عهد في أيام النبي فكان لابد من معرفة حكم الله فيها كما أن الفتوحات الإسلامية وما ترتب عليها من ظهور قضايا ومسائل جديدة استلزمت معرفة حكم الشرع فيها لهذا قام الصحابة بمهمة التعرف على أحكام هذه المسائل والوقائع الجديدة فاجتهدوا واستعملوا آراءَ هم على ضوء قواعد الشريعة ومبادئها العامة ومعرفتهم بمقاصد الشريعة وهكذا استطاع الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يواكبوا تلك الأحداث والوقائع وأن يستنبطوا لها الأحكام وذلك بالرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه فإن لم يجدوا فيهما الحكم تحولوا إلى الاجتهاد واعملوا ما أداهم إليه اجتهادهم .
وهذا المنهج يظهر في تطبيقات الصديق والفاروق وابن مسعود وغيرهم من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين
ذكر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به قضى ، وإذا لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به فإن أعياه ذلك سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء ؟ فربما قام إليه القوم فيقولون ، قضى فيه بكذا وكذا فإن لم يجد سنة سنها النبي جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به
وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك
واجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل والأحداث كان يتبعه اختلاف أو اتفاق فالاختلاف في الرأي نتيجة حتمية للاجتهاد واختلاف الصحابة - رضوان الله عليهم - في الاجتهاد يرجع إلى أسباب وهذه الأسباب قد أشار إليها الدكتور عبد الكريم زيدان فقال : (( يرجع اختلاف الفقهاء في هذا العصر إلى جملة أسباب نذكر منها ما يلي :
أولاً : اختلافهم بسبب علم البعض بالسنة وعدم علم البعض الآخر .
ثانياً : اختلافهم بسبب عدم وثوقهم بالسنة فقد يجهل أحدهم السنة فإذا رويت له ربما لا يطمئن بروايتها ولا يثق براويها لأي سبب كان فلا يأخذ بها فمن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يثق بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حيث قالت إن النبي لم يفرض لها نفقة ولا سكنى لما طلقها زوجها بائناً
ثالثاً : اختلافهم بسبب اختلافهم في فهم النصوص فمن ذلك اختلافهم في العدة هل هي ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات ومرد اختلافهم إلى المقصود بكلمة القرء
رابعاً : اختلافهم بسبب الاجتهاد فيما لا نص فيه ))
واجتهادهم في ذلك العصر كان يقوم على أساس واقعي فقد اقتصر اجتهادهم على الحوادث التي وقعت فعلاً فلا اجتهاد عندهم على الوقائع الافتراضية .
وبهذا استطاع الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يسايروا ذلك العصر الذي كانوا فيه وأن يجتهدوا في الوقائع التي وقعت لهم وأن يستنبطوا لها الأحكام فكان فعلهم هذا إثراء للفقه الإسلامي وسنذكر بعض الأمثلة على فقههم وآرائهم الاجتهادية - رضوان الله عليهم أجمعين -
الأمثلة :
1 - أخرج مسلم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليه
فهذاالذي فعله عمر رضي الله عنه إنما أراد به زجر الناس عن هذا فإن الناس في زمانه كثر منهم إيقاعهم الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد وهذا خلاف المشروع فأراد عمر زجرهم عن هذا فإن الناس في زمن النبي وأبي بكر ما كانوا يكثرون من إيقاع الطلاق على هذا النحو بل كان ذلك نادراً عندهم أما في زمن عمر فقد كثر ذلك فأوقع عمر عليهم ما أرادوا فجعل الثلاث ثلاثاً.
2 - أخرج البخـاري بسنده عن زيد بن خـالد الجهني رضـي الله عنه قال : جاء أعرابي النبي فسأله عما يلتقطه فقال : (( عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها . فإن جاء أحد يخبرك بها إلا فاستنفقها . قال : يا رسول الله فضالة الغنم ؟ قال : لك أو لأخيك أو للذئب . قال ضالة الإبل ؟ فتمعر وجه النبي فقال : مالك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها ، ترد الماء وتأكل الشجر ))
فهذا الحديث صريح في النهي عن التقاط ضالة الإبل وهذا الحكم هو الذي عليه العمل في عهد النبي وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لكن لما جاء عثمان رضي الله عنه رأى من المصلحة أن تباع الإبل ثم إذا جاء صاحبها أعطي ثمنها وإنما فعل عثمان رضي الله عنه هذا خوفاً من أن تمتد يد غير أمينة إلى هذه الإبل فتأخذها وذلك لتغير الناس عما كانوا عليه في عهد النبي وعهد الصديق والفاروق رضي الله عنهما فكان فعله هذا من باب المصلحة لحفظ أموال الناس .
أخرج مالك بسنده عن ابن شهاب قال كانت ضوال الإبل في زمان عمر ابن الخطاب إبلاً مؤبله تناتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها
3 - أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن غلاماً قُتل غيلة فقال عمر لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلته
وقد جاءت رواية البيهقي مبينة العدد الذي قتله عمر رضي الله عنه بالغلام. أخرج البيهقي بسنده عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل قتلوه قتل غيلة وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً وهذا الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه ثبت أيضاً عن علي رضي الله عنه أنه قتل جماعة قتلوا رجلاً واحداً.
أخرج البيهقي بسنده عن سعيد بن وهب قال خرج قوم وصحبهم رجل فقدموا وليس معهم فاتهمهم أهله فقال شريح شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم وإلا حلفوا بالله ما قتلوه ، فأتوا بهم علياً رضي الله عنه قال سعيد وأنا عنده ففرق بينهم فاعترفوا ، قال فسمعت علياً رضي الله عنه يقول : أنا أبو حسن القرم فأمر بهم علي رضي الله عنه فقتلوا
وهذا الذي ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أن الجماعة تقتل بالواحد . أمر لم يخالفهم فيه أحد .
ولذا ثبت الحكم عند العلماء أن الجماعة تقتل بالواحد إذا اشتركوا في قتله
4 - حد السارق أن تقطع يده وقد جاء هذا مذكوراً في الكتاب الكريم قال تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم
فإذا سرق السارق قطعت يده إذا توافرت الشروط الموجبة للقطع .
وفي عام المجاعة سنة 18 هـ في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب الناس شدة عظيمة حتى إن الناس قد اضطروا للسرقة للحفاظ على حياتهم لهذا رأى عمر رضي الله عنه أن يوقف تطبيق الحد عليهم وذلك لأن عمر رضي الله عنه أدرك علة إقامة الحد وعرف أن الاعتداء على مال الغير فيه القطع إذا تحققت الشروط الموجبة للقطع لكن الناس في عام المجاعة كانوا في ضيق شديد جداً مما دفعهم إلى سرقة الطعام الذي يقيم حياتهم إنها الضرورة التي دفعتهم لذلك لذا أوقف عمر رضي الله عنه إقامة الحد عليهم .
ذكر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - عن عمر رضي الله عنه قال لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة قال السعدي فسألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال : العذق النخله . وعام سنة : المجاعة . فقلت لأحمد : تقول به ؟ فقال : أي لعمري . قلت : إن سرق في مجاعة لا تقطعه ؟ فقال : لا . إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة
والذي فعله عمر رضي الله عنه هو اعمال للقاعدة الفقهية (( الضرورات تبيح المحظورات )) .
5 - اختلف الصحابة - رضوان الله عليهم - في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً وهو مريض هل ترثه ؟
ذهب عثمان بن عفان رضي الله عنه أنها ترثه إذا مات وهي في العدة أو بعد انقضاء العدة.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عثمان رضي الله عنه قال : ورث امرأة عبد الرحمن بن عوف حين طلقها في مرضه بعد انقضاء العدة
وأخرج البيهقي بسنده عن ابن أبي مليكة قال سألت عبد الله بن الزبير عن رجل طلق امرأته في مرضه فبتها قال أما عثمان رضي الله عنه فورثها وأما أنا فلا أرى أن أورثها ببينونته إياها
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه ذهب إلى أنها ترثه إذا توفي في عدتها وهو لا يرثها إن ماتت في العدة.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن شريح قال أتاني عروة البارقي من عند عمر في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً في مرضه : إنها ترثه ما دامت في العدة ولا يرثها وهذا الذي ذهب إليه عمر رضي الله عنه مروي أيضاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في المطلقة ثلاثاً وهو مريض قالت : ترثه ما دامت في العدة
وهذا أبي بن كعب رضي الله عنه كان يرى أنها ترثه ما لم تتزوج أو يبرأ زوجها من مرضه أخرج البيهقي بسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال في الذي يطلق وهو مريض لا نزال نورثها حتى يبرأ أو تتزوج وإن مكث سنة
الخاتمة :
وأذكر فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث وهي :
1 - إن صحابة رسول الله r هم نجوم الهداية وحلية الأيام فدراسة سيرهم وهديهم من أهم الدراسات فهم الأسوة والقدوة لهذه الأمة بعد نبيها r.
2 - إن شرف الصحبة عظيم جداً وأن الصحابة قد أدركوا هذا الشرف فقاموا بما يجب عليهم نحو هذا التشريف العظيم من الدعوة والعمل والتطبيق لهذا الدين .
3 - إن المصادر التي نستقي منها هدي الصحابة كثيرة وأهمها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وكتب التراجم والتاريخ فعلينا الاهتمام بهذه المصادر واستنباط المواضيع منها .
4 - إن الصحابة - رضوان الله عليهم - ضربوا لهذه الأمة المثل الأعلى في حبهم لرسول الله r وتوقيرهم له .
5 - إن التربية النبوية الكريمة لهؤلاء الأصحاب أثرت فيهم تأثيراً عظيماً فقد بذلوا الأموال والأنفس في سبيل الدفاع عن هذا الدين ونبيه r وكانوا قدوة لمن جاء بعدهم - رضوان الله عليهم -
6 - لقد حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على إعمار الآخرة واعتبروا الدنيا طريقاً موصلاً للجنة فأحسنوا فيها العمل لما ينفعهم في الآخرة .
7 - إن الدراسات حول هدي الصحابة قليلة فإن هذا الجانب المهم لم يحض بالعناية الكافية التي يستحقها .
8 - ينبغي إعادة دراسة تراجم الصحابة والاهتمام بذلك ومحاولة وضع الموسوعات العلمية عن سيرهم وحياتهم ومآثرهم .
9 - محاولة وضع المناهج العلمية عن هدي الصحابة وتدريسها للطلاب ليسهل عليهم الاقتداء والتأسي بهؤلاء الأفاضل فهم خير الأمة بعد نبيها r .
10 - لقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم التشريع على أكمل الوجوه فطبقوه وأحسنوا الاجتهاد والاستنباط واستطاعوا أن يسايروا العصر الذي كانوا فيه وأن يضعوا الأحكام لما استجد عندهم من الأحكام
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم<!-- / message -->
هدي الصحابة رضوان الله عليهم (مفهومه - مصادره - نماذج منه)
د/ رضا محمد صفي الدين السنوسي
الفصل الأول : هدي الصحابة ومصادره
قبل الشروع في الحديث عن هدي الصحابة - رضوان الله عليهم - ينبغي أن نعرف كلمة هدي ونعرف الصحابة - رضوان الله عليهم - حتى نستطيع أن نتعرف على معنى هذا التركيب ( هدي الصحابة ) .
المبحث الأول : تعريف الهدي لغة :
تعريف الهدي لغة : الهدي والهدية ويكسر الطريقة والسيرة يقال فلان يهدي فلان أي يفعل مثل فعله ويسير سيرته ، ومنه قولهم : ما أحسن هديه أي سمته وسكونه وهو حسن الهدي والهدية أي الطريقة والسيرة وما أحسن هديته .
وقال زياد بن زيد العدوي :
ويخبرني عن غائِب المرءِ هديُه كفى الهديُ عما غيبَ المرءَ مخبراً
والهدي : ما أهدي إلى مكة من النعم ومنه قوله تعالى : { حتى يبلغ الهدي محله }
ومنه قول الفرزدق :
حلفت برب مكةَ والمصلّى وأعناقِ الهدِىِّ مقلَّداتِ
والهدي إذا أطلق انصرف إلى الطريقة والسيرة يبين هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
1 - أخرج مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش ، يقول صبحكم ومساكم . ويقول : بُعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى . ويقول : (( أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مُحدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )) ثم يقول : (( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالاً فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي ))
قال النووي:خير الهدي هدي محمد ، أي أحسن الطرق طريق محمد يقال : فلان حسن الهدي أي الطريقة والمذهب
2 - أخرج الإمام أحمد في مسنده بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قالhttp://www.alsonaa.com/vb/images/smilies/frown.gif( بينما نحن عند رسول الله قال : إني لست أدري قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي يشير إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما واهدوا هدي عمار وعهد ابن أم عبد رضي الله عنهما ))
قال الزبيدي : واهدوا بهدي عمار ، أي سيروا بسيرته وتهيئوا بهيئته
المبحث الثاني : تعريف الصحابي لغة واصطلاحاً :
تعريف الصحابي في اللغة مشتق من الصحبة وهي في اللغة بمعنى الملازمة والانقياد وكل شيء لازم شيئاً فقد استصحبه
قال الزبيدي: صحبه، يصحبه صحابة، بالفتح ويكسر وهم أصحاب وأصاحيب وصحبان والصاحب المعاشر ، واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه ، وكل ما لازم شيئاً فقد استصحبه
وقال الأصفهاني : الصاحب الملازم إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن ، وهو الأصل والأكثر ، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته .
ويقال للمالك الشيء : هو صاحبه وكذلك لمن يملك التصرف فيه قال تعالى : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن }
والإصحاب للشيء : الانقياد له وأصله أن يصير له صاحباً
تعريف الصحابي في اصطلاح العلماء :
لقد تباينت أقوال العلماء في تعريف الصحابي والذي يعنينا في هذا المقام هو تعريف علماء الحديث وعلماء الفقه والأصول لهم .
أ - تعريف الصحابي عند المحدثين :
هو من لقي النبي يقظة ، مؤمناً به ، بعد بعثته ، حال حياته ومات على الإيمان
وهذا التعريف هو الذي مال إليه أكثر أهل الحديث .
يقول الإمام أحمد بن حنبل : بعد أن ذكر أهل بدر فقال ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله القرن الذي بعث فيهم كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه
وقال الإمام علي بن المديني : من صحب النبي أو رآه ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي
وقال الإمام البخاري : من صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه
ب - تعريف الصحابي عند الفقهاء والأصوليين :
هو من لقي النبي r يقظة ، مؤمناً به ، بعد بعثته ، حال حياته ، وطالت صحبته ، وكثر لقاؤه به ، على سبيل التبع له ، والأخذ عنه ، وإن لم يرو عنه شيئاً ، ومات على الإيمان
قال الدكتور عياده الكبيسي : والراجح في تعريف الصحابي هو ما ذهب إليه جمهور المحدثين وذلك لشرف منزلة النبي وعلو قدره وأن لصحبته مزية تختلف عن صحبة غيره
وبعد أن عرفنا معنى كلمة هدي وأتبعناها بشرح معنى الصحابي وتعريف العلماء له نستطيع الآن أن نعرف ما نحن بصدده وهو هدي الصحابة .
المبحث الثالث : تعريف هدي الصحابة :
هو السيرة التي سلكوها ، والنهج الإيماني الذي ساروا عليه وأثر فيهم وذلك باتباعهم للنبي rصلى الله عليه وسلم واقتدائهم به ، واقتداء غيرهم بهم - رضوان الله عليهم -
والمقصود بهذا هو دراسة تحليلية لحياة الصحابة - رضوان الله عليهم - واستخلاص العبر والعظات من حياتهم ، وأخذ الأسوة والقدوة منهم ، والوقوف على السمات البارزة ، باعتبارهم خير هذه الأمة بعد نبيهم محمد
1 - أخرج الإمام أحمد في مسنده بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن الله نظر في قلوب العباد ، فوجد قلب محمد r خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه ، فابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ
2 - أخرج أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : من كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد كانوا خير هذه الأمة ، أبرها قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ونقل دينه ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد كانوا على الهدي المستقيم والله رب الكعبة
المبحث الرابع : المصادر التي نستقي منها هدي الصحابة رضوان الله عليهم:
إن المصادر التي نرجع إليها للوقوف على هدي الصحابة - رضوان الله عليهم - كثيرة من أهمها :
أولاً - القرآن الكريم :
إن القرآن الكريم هو المصدر الأول لاستنباط سيرة هذا الجيل الذي تربى على القرآن في مدرسة النبوة على يدي رسول الله والقرآن الكريم لم يذكر أسماء الصحابة بالتعيين إلا في موضع واحد هو قوله تعالى : { فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها}لكن الآيات الكثيرة التي نزلت فيهم - رضوان الله عليهم - يمكننا أن نرجع إلى أسباب نزولها فنقف على الصحابي الذي نزلت فيه هذه الآيات ، وإلى كتب التفسير التي تفسر الآية وتبين المعاني العظيمة التي ذكرت فيها.
وسأذكر بعض الآيات وأترك للقارئ الكريم الرجوع إلى كتب التفسير وأسباب النزول للوقوف على أسماء الصحابة الذين أشير إليهم.
1 - قال تعالى : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل }.
2 - قال تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب }
3 - قال تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ، ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً }
4 - قال تعالى : { والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
ثانياً : كتب السنة النبوية المطهرة :
لقد جاءت كتب السنة تتحدث عن صحابة النبي وتذكر مالهم من الفضل والمكانة التي نالوها بما قدموا من تضحيات عظيمة في سبيل الله ، وما بذلوه من الأنفس والأموال إيماناً بالله وطاعة لرسوله والأحاديث في هذا كثيرة جداً ، فلو رجعنا إلى كتب السنة في أبواب متفرقة مثل كتاب المناقب ، كتاب فضائل أصحاب النبي ، كتاب مناقب الأنصار ، كتاب المغازي وغيرها .
ولو جمعنا الأحاديث التي رويت في هذه الأبواب من صحيح البخاري ، لبلغت قرابة ألف حديث هذا في كتاب البخاري في هذه الأبواب الأربعة ، فكيف لو درسنا الكتاب كله واستخرجنا هذه الأحاديث ، لبلغت أكثر من ذلك هذا كله يدل على مدى العناية العظيمة بما يتعلق بأصحاب رسول الله ، وأنهم محل الأسوة والقدوة لمن جاء بعدهم .
ثالثاً : كتب السيرة النبوية :
تعد هذه الكتب مصدراً هاماً في معرفة أخبار الصحابة - رضوان الله عليهم - وذكر وقائعهم وسيرهم ، وجهادهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكل حدث من أحداث السيرة له ارتباط بالصحابة - رضوان الله عليهم - ، في الهجرة ، في الغزوات ، في الصلح ، في بناء الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة فكل أحداث السيرة تدور حول النبي r وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -
رابعاً : كتب التاريخ :
وهذه الكتب قد احتوت على مادة غزيرة تحكي تفصيلات واسعة عن صحابة رسول الله فمن هذه الكتب التي تتحدث عن تاريخ الإسلام :
أ - تاريخ الرسل والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة 310 هـ .
ب - الكامل في التاريخ للإمام محمد بن محمد بن عبــد الكريم الشيبــاني المعروف بابن الأثــير الجزري المتوفى سنة 630 هـ .
جـ - تاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748 هـ .
د - البداية والنهاية للإمام عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير المتوفى سنة 774 هـ . وغيرها من الكتب إلا أن هناك كتباً قد تخصصت في تراجم الصحابة وذكر سيرهم ومآثرهم وبعض أقوالهم التي تروى عنهم ومن هذه الكتب :
خامساً : كتب التراجم والطبقات :
1 - الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد البصري المتوفى سنة 230 هـ .
2 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد القرطبي المتوفى سنة 463 هـ .
وقد ضَمَّن كتابه هذا جملة من تراجم الصحابة إلا أنه لم يستوعبهم وفاته من أسمائهم الكثير وقد ترجم لقرابة 3650 صحابياً .
3 - أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير الجزري المتوفى سنة 630هـ
وقد اعتمد في كتابه هذا على ابن مندة وأبي نعيم والاستيعاب وجملة من ترجم لهم 7702
4 - تجريد أسماء الصحابة للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748 هـ وجملة من ترجم لهم 4190 صحابياً .
5 - الإصابة في تمييز الصحابة للإمام أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ وكتابه هذا أجمع كتاب في ذكر أسماء الصحابة حيث يشتمل على تراجم 12304 من أصحاب رسول الله r وكتابه هذا أصل في أسماء الصحابة وقد عول عليه كثير من العلماء ولم يؤلف مثله في فنه إلى غير ذلك من الكتب التي ألفت في هذا الباب .
6 - حياة الصحابة رضي الله عنهم للعلامة محمد يوسف الكاندهلوي.
الفصل الثاني : نماذج من هدي الصحابة رضوان الله عليهم
إن النماذج لهدي الصحابة كثيرة جداً وسوف نقتصر في هذا البحث على بعض النماذج ونشرع في تعريفها والحديث عنها مع ضرب الأمثلة لذلك وهذه النماذج هي :
المبحث الأول : حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الإيمان بالله عز وجل هو أسمى المطالب التي يسعى الموفقون من عباد الله لتحصيله ، لأن الإيمان بالله حقاً وصدقاً هو أساس السعادة في الدنيا والآخرة ، ولهذا الإيمان المنشود دعامة لابد منها ، وهذه الدعامة هي الحب الحقيقي للرحمة المهداة ، فمحبة رسول الله هي الوسيلة الموصلة إلى محبة الله عز وجل ، ومحبة الله ورسوله هي الدين كله ، وعليها مدار الهداية والتقوى والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }
إن محبة رسول الله ركن ركين في حقيقة الإيمان فلا يتم إيمان عبد إلا بمحبته لرسول الله r أخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ))
وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال :
(( فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ))
وحقيقة المحبة لرسول الله تقتضي المتابعة له وموافقته في حب المحبوبات ، وبغض المكروهات ، ونصرة دينه بالقول والفعل ، والتخلق بأخلاقه ، والاقتداء بما جاء به من شرائع وسنن وتقديم أمره على كل شيء ، إذ الحب الحقيقي هو الذي يكون فيه المحب تابعاً لمحبوبه في أقواله وأفعاله وأخلاقه ، متأسياً به في كل شأن من شؤون حياته ، إن المؤمن لا يزكو ولا يصلح قلبه إلا إذا سكنت محبة النبي في قلبه ، والحديث عن محبة النبي حديث الإيمان الصادق ، والطريق الحق ، وهو حديث ذو شجون يحبه المؤمن ، ويحن إليه دائماً لأنه به يعلم حقيقة الإيمان الذي استقر في قلبه .
وعندما نتحدث عن محبة النبي تبرز لنا القمم الشامخة من أصحاب رسول الله الذين ضربوا أروع الأمثلة في ذلك الحب العظيم لرسول الله ، لقد قطعوا مراتب المحبة وأقسامها حتى وصلوا إلى أعلى مراتبها بالغين الكمال في ذلك ، لقد امتزجت محبة النبي صلى الله عليه وسلم في أجسامهم وأرواحهم والأمثلة على ذلك كثيرة .
الأمثلة :
1 - أخرج البخاري بسنده عن أنس رضي الله عنه قال : (( لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي r وأبو طلحة بين يدي النبي مُجوب عليه بحجَفهٍ له .
وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً ، وكان الرجل يمرُ معه بجعْبهٍ من النبل فيقول : انثُرها لأبي طلحة ، قال : ويُشرفُ النبيُ ينظرُ إلى القوم فيقوُل أبو طلحة : بأبي أنت وأمي ، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك ... الحديث ))
2 - أخرج أبو داود بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله الرجل يُحب القوم ولا يستطيع أن يعمل كعملهم ، قال : (( أنت يا أبا ذر مع من أحببت ، قال : فإني أحب الله ورسوله ، قال : فإنك مع من أحببت ، قال : فأعادها أبو ذر ، فأعادها رسول الله
3 - أخرج الطبراني في الأوسط بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا رســول الله ، والله إنك لأحب إلي من نفسي ، وإنك لأحب إلي من أهلي ، وأحب إلي من ولدي ، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك ، فأنظر إليك ، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا آراك ، فلم يرد عليه النبي حتى نزل جبريل بهذه الآية :
{ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين }
قال الهيثمي رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة
4 - أخرج الحاكم بإسناده عن محمد بن سيرين قال ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما قال : فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر ، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه ، وساعة خلفه ، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي ؟ )) فقال : يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال : (( يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني ؟ )) قال نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمه إلا أن تكون بي دونك ، فلما انتهيا إلى الغار ، قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار فدخل واستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة فقال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجرة فدخل واستبرأ ثم قال انزل يا رسول الله فنزل فقال عمر والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه ولم يخرجاه .
قال الذهبي : صحيح مرسل
5 - ذكر القاضي عياض أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ
المبحث الثاني : توقيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم:
قال ابن كثير - رحمه الله - : التوقير هو الاحترام والإجلال والإعظام
إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره في حياته وبعد وفاته شعبة من
شعب الإيمان .
قال البيهقي : باب في تعظيم النبي وإجلاله وتوقيره قال : وهذه منزلة فوق المحبة لأنه ليس كل محب معظماً إلا أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه .
قال : وقد بسط الحليمي - رحمه الله - الكلام في ذلك فقال : معلوم أن حقوق رسول الله أجل وأعظم وأكرم وألزم وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم ، والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة ، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة ، فهدانا به لما أطعناه وآوانا إلى جنات النعيم فأية نعمة توازي هذه النعم وأية منه تداني هذه المنن ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته وتوعدنا على معصيته ، ووعدنا باتباعه الجنة فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة ، وأي درجة تساوي في العمل هذه الدرجة ، فحق علينا إذاً أن نحبه ونجله ونعظمه ونهيبه أكثر من إجلال كل عبد سيده وكل ولد والده
وقد أمرنا مولانا سبحانه في كتابه العزيز بتوقير نبيه قال تعالى :
{ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه }وفي القرآن الكريم آيات كثيرة جاءت لتؤكد وجوب توقيره منها قوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً } وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله }ومنها قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون }
وغير ذلك من الآيات التي توجب توقيره وتعظيمه ، وتبين للأمة مكانة هذا النبي الكريم .
ولقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - أعرف الأمة بالنبي ولذلك فقد كانوا أعرف وأعلم بقدره ومنزلته من غيرهم .
ولهذا كان تعظيمهم وتوقيرهم لرسول الله أشد وأكبر من غيرهم والأمثلة على ذلك كثيرة جداً .
الأمثلة :
1 - أخرج البخاري بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبية في حديث طويل وفيه ، ثم إن عروة - بن مسعود - جعل يرمُقُ أصحاب النبي بعينه قال فوالله ما تنَخَم رسول الله نُخامة إلا وقعت في كف رجُل منهم فدلكَ بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهُم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادُوا يقتتَلون على وضُوئه ، وإذا تكلموا خَفضَوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ... الحديث
2 - أخرج مسلم بسنده عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في حديث إسلامه وفيه -وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، ولوسئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه..الحديث
3 - أخرج مسلم بسنده عن أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي نزل عليه ، فنزل النبي في السفل وأبو أيوب في العلو وقال فانتبه أبو أيوب ليلة فقال : نمشي فوق رأس رسول الله فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي فقال النبي السفل أرفق ، فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها ، فتحول النبي في العلو وأبو أيوب في السفل فكان يصنع للنبي طعاماً فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه ، فيتتبع موضع أصابعه ، فصنع له طعاماً فيه ثوم فلما رُد إليه سأل عن موضع أصابع النبي فقيل له : لم يأكل ، ففزع وصعد إليه ، فقال : أحرام هو ؟ فقال النبي : لا ، ولكني أكرهه ، فقال فإني أكره ما تكره أو ما كرهت
4 - أخرج ابن حبان بسنده عن أسامة بن شريك قال كُنا عند النبي كأن على رؤوسنا الرخم ما يتكلم منا مُتكلم ، إذ جاءه ناس من الأعراب فقالوا : يا رسول الله ، أفتنا في كذا ، أفتنا في كذا ، فقال (( أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا امرءاً اقترض من عرض أخيه فذاك الذي حرج وهلك )) .
قالوا : أفنتداوى يا رسول الله ؟ قال : (( نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء غير داء واحد . قالوا : وما هو يا رسول الله ؟ قال : الهرم . قالوا : فأي الناس أحب إلى الله يا رسول الله ؟ قال : أحــب النــاس إلى الله أحسنــهم خلقاً ))
5 - ذكر القاضي عياض عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنـه قـال : كـان أصحـــاب رسول الله يقــرعون بابه بالأظافر
المبحث الثالث : جهادهم في سبيل الله بالأنفس والأموال :
جاء النبي محمدٌ رحمه لأمته ، جمع الله به القلوب ، ووحد به الكلمة ، وأنار به السبيل وقطع به عن العرب حروب الثأر والعار ، وحدد اتجاه السيف من أداة عدوان وإنتقام ، إلى أداة دفاع وردع ودعوة للإيمان ، وجهاد في سبيل الرحمن لإعلاء كلمة لا إله إلا الله .
إن الجهاد في الإسلام هو بذل الجهد في مقاتلة الكفار لقد شرع الله الجهاد وجعله فريضة من أعظم الفرائض وركناً من أقوم الأركان وواجباً من أجل الواجبات قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم ، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين }
ولما كان أمر الجهاد عظيماً فإن ثواب المجاهدين عظيم كذلك فدرجة المجاهدين عند الله أعظم الدرجات وثوابهم أجزل الثواب يبين هذا نبي الملحمة .
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي : (( من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها . فقالوا : يا رسول الله أفلا نبشر الناس ؟ قال : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ).
وقد شرع الله الجهاد لحكم عظيمة ومنافع كبيرة فالجهاد يحفظ للأمة بقاءها ويشد بنيانها ويثبت سلطانها ويعلي كلمتها ، ويحقق أهدافها في نشر هذا الدين ، وبه يرهب الأعداء وهو علاج لكل فساد وطغيان .
ولهذا فإن الله سبحانه قد فرض الجهاد على الأنبياء وأتباعهم وكان سيد المجاهدين نبينا محمد قد جاهد الأعداء في غزوات كثيرة .
أخرج مسلم بسنده عن بريدة رضي الله عنه قال غزا رسول الله تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهاولمكانة الجهاد في نفسه فإنه كان يتمنى ألا يتخلف عن سرية تغزو في سبيل الله .
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي يقول : (( والذي نفسي بيده ، لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله ، والذي نفسي بيده لوددت أني اقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم اقتل ثم أحيا ، ثم اقتل ثم أحيا ، ثم اقتل ))
وقد أدرك أصحابه - رضوان الله عليهم - فضل الجهاد وعظيم منزلته عند الله فتسابقوا - رضوان الله عليهم - في بذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله سبحانه وضربوا أروع الأمثلة في جهاد أعداء الله فباعوا أنفسهم لمولاهم الله سبحانه فعوضهم بها الجنة قال تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }
ولقد كانوا - رضوان الله عليهم - فرسان السيف والسنان وضربوا لمن جاء بعدهم أروع الأمثلة في بذل النفس والمال في سبيل الله تعالى .
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً - رضوان الله عليهم أجمعين -
الأمثلة :
1 - أخرج مسلم بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل وفيه فقال رسول الله : (( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض قال : يقول عُمير بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ قال : نعم ، قال بخ بخ . فقال رسول الله : ما يحملك على قولك بخ بخ . قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها ، قال فإنك من أهلها ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ))
2 - أخرج مسلم بسنده عن أنس رضي الله عنه قال عمي الذي سُميت به - يعني أنس بن النضر - لم يشهد مع رسول الله بدراً ، قال فشق عليه ، قال : أول مشهد شهده رسول الله r غُيبت عنه ، وإن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله ليراني الله ما أصنع . قال : فهاب أن يقول غيرها . قال فشهد مع رسول الله يوم أحد . قال : فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس : يا أبا عمرو أين ؟ فقال : واها لريح الجنة أجده دون أحد . قال فقاتلهم حتى قتل قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية قال فقالت أخته عمتي الرُبيع بنت النضر : فما عرفت أخي إلا ببنانه . ونزلت هذه الآية : { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً } [ 23 / الأحزاب ] قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه([52]) .
3 - أخرج الحاكم بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة ففرغها عثمان في حجر النبيصلى الله عليه وسلم قال (( فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول ماضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم قالها مراراً )) .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، قال الذهبي : صحيح.
4 - أخرج أبو داود بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك مالاً عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً . فجئت بنصف مالي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله . قال : وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله . قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً ))
5 - أخرج الحاكم بسنده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال (( لي إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له يقول لك رسول الله كيف تجدك ؟ قال فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم فقلت له : يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول لك خبرني كيف تجدك ؟ قال على رسول الله السلام وعليك السلام قل له يا رسول الله أجدني أجد ريح الجنة وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف قال وفاضت نفسه رحمه الله )) .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . قال الذهبي : صحيح.
المبحث الرابع : زهدهم في الدنيا وبعدهم عن الترف
في غمار الشهوات الطاغية على الناس ، وفي سُعار التكالب على هذه الحياة الدنيا ، والحرص على شهواتها ولذاتها الفانية ، وفي الطوفان الجارف للناس ، نحو الخلود إلى الدنيا والاستزادة منها ، ينبغي على المؤمن التقي أن لا يركن إلى هذه الدنيا الفانية ، بل يجعلها وسيلة يتوسل بها إلى بلوغ الآخرة الباقية لأن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر ، لهذا كان عليه أن يزهد في الدنيا لبلوغ الآخرة والزهد هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة .
وقد عُني القرآن عناية واضحة بهذا فراح يحث أتباعه على إيثار الآخرة على الفانية قال تعالى : { بل تؤثرون الحياة الدنيا ، والآخرة خير وأبقى } وقال تعالى : { وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع }وجاء الرحمة المهداة فضرب لنا المثل الأعلى في الزهد والإعراض عن ملذات الحياة أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( اللهم ارزق آل محمد قوتاً ))ومن زهده أنه خرج من الدنيا ولم يشبع ثلاثة أيامٍ تباعاً من خبز البر بل إنه كان يكتفي بالقليل من الزاد وكان ينام على الحصير وكان فراشه من أدم وحشوه ليف ولما أراد الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يجعلوا له فراشاً ليناً أعرض عن ذلك يبين هذا ما أخرجه الترمذي بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : نام رسول الله على حصير فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء . فقال: مالي وما للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
ولقد فهم أصحاب رسول الله حقيقة هذه الدنيا فجعلوها مطية يتوصلون بها إلى الآخرة فكانوا من أزهد الناس في هذه الحياة قال بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الزهاده في الدنيا راحة القلب والجسد
ولقد أدرك أصحاب رسول الله حقيقة هذه الدنيا فجعلوها وسيلة لبلوغ الآخرة وضربوا أروع الأمثلة في الزهد فيها وعدم اشغال القلب بها والأمثلة على ذلك كثيرة .
الأمثلة :
1 - أخرج الترمذي بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال حدثني من سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : خرجت في يوم شات من بيت رسول الله وقد أخذت إهاباً معطوباً فحولت وسطه فأدخلته عُنقي وشددت وسطي فحزمته بخوص النخل ، وإني لشديد الجوع ولو كان في بيت رسول الله طعام لطعمت منه فخرجت ألتمس شيئاً ، فمررت بيهودي في مال له وهو يسقى ببكرة له فاطلعت عليه من ثلمة في الحائط فقال مالك يا أعرابي ؟ هل لك في كل دلو بتمرة ؟ قلت : نعم فافتح الباب حتى أدخل . ففتح فدخلت فأعطاني دلوه . فكلما نزعت دلواً أعطاني تمرة حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت حسبي فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت ثم جئت المسجد فوجدت رسول الله فيه
قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب
2 - أخرج ابن شبه بسنده عن حفص بن أبي العاص قال : كان عمر رضي الله عنه يغدينا بالخبز والزيت والخل . والخبز واللبن ، والخبز والقديد . وأول ذلك اللحم الغريض . يأكل وكنا نُعذر ، وكان يقول : لا تنخلوا الدقيق فكله طعام . وكان يقول : مالكم لا تأكلون ؟ فقلت يا أمير المؤمنين : إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك . قال : يا ابن أبي العاص أما تراني عالماً أن ارجع إلى دقيق ينخل في خرقة فيخرج كأنه كذا وكذا ؟ أما تراني عالماً أن اعمد إلى عناق سمينة فنلقى عنها شعرها فتخرج كأنها كذا وكذا ، أما تراني عالماً أن اعمد إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء وأصب عليه من الماء فيصبح كأنه دم الغزال ؟ قال قلت : أحسن ما يبعث العيش يا أمير المؤمنين . قال أجل والله لولا مخافة أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في لين عيشكم ولكن سمعت الله ذكر قوماً فقال : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا
3 - أخرج أبو داود بسنده عن حميد بن هلال قال : أوخي بين سلمان وأبي الدرداء . فسكن أبو الدرداء الشام وسكن سلمان الكوفة . فكتب أبو الدرداء إلى سلمان : سلام عليك أما بعد : فإن الله قد رزقني بعدك مالاً وولداً وأنزلت الأرض المقدسة . قال : فكتب سلمان إليه : سلام عليك أما بعد فإنك كتبت إلي أن الله رزقك بعدي مالاً وولداً . وإن الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن الخير أن يعظم حلمك . وأن ينفعك علمك . وكتبت إلي أنك نزلت الأرض المقدسة . وأن الأرض لا تعمل لأحد . فاعمل كأنك تُرى واعدد نفسك في الموتى
4 - أخرج أبو داود بسنده عن ابن سيرين قال : لما بعث عمر حذيفة إلى المدائن ركبوا إليه ليتلقوه . فتلقوه على بغل تحته إكاف ، وهو معترض عليه رجليه من جانب واحد ، فلم يعرفوه ، فأجازوه فلقيهم الناس ، فقالوا : أين الأمير ؟ قالوا هو الذي لقيتم ، فركضوا في أثره . فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عِرق وهو يأكل ، فسلموا عليه . قال : فنظر إلى عظيم منهم فناوله العرق والرغيف قال فلما غفل حذيفة ألقاه أو قال أعطاه خادمه
5 - أخرج أبو داود بسنده عن نافع قال : إن كان ابن عمر ليقسم في المجلس الواحد ثلاثين ألف درهم ، ثم يأتي عليه الشهر ما يأكل مزعة لحم . قال: قلت فهل كان ياكل اللحم شهراً ؟ قال : إذا صام أو سافر فإنه كان أكثر طعامه
المبحث الخامس : حرصهم على العلم ومسارعتهم إليه
الإسلام دين العلم والمعرفة . ولقد حثّ أمته على طلب العلم وإعمال الفكر والعقل والبحث والتفكير في كل ميدان من ميادين العلم ، وكل مجال من مجالات الحياة . وما ذلك إلا لأن العلم روح الحياة ، وأساس النهضات وعماد الحضارات ، ووسيلة التقدم والرقي للأفراد والجماعات ، والإسلام دين الحياة الصالح لكل زمان ومكان هو دين ودنيا ، عبادة وحياة ، دين جامع يربط الإنسان بالعبادة والقيم والأخلاق ، دين يتغلغل في صميم الحياة ويضع الأسس والقواعد التي تكفل السعادة للبشر على ظهر هذه الأرض والشريعة الإسلامية قائمة على العلم والدعوة إليه ومعجزة الرحمة المهداة كانت كتاباً يتلألأ بالعلم الصحيح والمعرفة الحقة . وأول آية نزلت من هذا الكتاب المبارك نزلت تدعو للعلم وتعظم شأن المعرفة قال تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان مالم يعلم } ولما كان العلم يسمو بالإنسان ويرفع قدره فقد أمر الله سبحانه الملائكة بالسجود لآدم لما فضله به عليهم من العلم . ورسولناكان قدوة الداعين إلى العلم بأقواله وأفعاله وطلب من أمته طلب العلم والسعي لبلوغ ذلك ، وبين لهم الجزاء المنتظر لمن طلب العلم وسعى إليه .
أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ))ولقد كان لعناية المعلم الأول صلوات الله وسلامه عليه الأثر الكبير في صحابته
- رضوان الله عليهم - وسعيهم لطلب العلم وحرصهم عليه مع العمل بما قد تعلموا ، وعظم أمر العلم عندهم وارتفعت درجة العلماء بين صحابة النبي وأصبح العلم هو المجال الرحب الذي يتنافسون فيه ويبادرون إليه فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول اغدو عالماً أو متعلماً ولا تغدوا إمعة بين ذلك
ولقد رحل الصحابة - رضوان الله عليهم - في طلب العلم ونشره وخرجوا إلى الشام ومصر والكوفة والبصرة يعلمون الناس فهم - رضوان الله عليهم - حفظة القرآن الذين نقلوه إلينا غضّاً طرياً كما أنزل وهم أوعية السنة النبوية المباركة فقد حفظوها ونقلُولها للناس كما سمعوها من الرحمة المهداة صلوات الله وسلامه عليه . ولقد كانوا يطبقون ما يتعلمون من العلم في واقع حياتهم اليومية فتعلموا العلم والعمل معاً ، وكانوا أسوة وقدوة لمن جاء بعدهم، ولقد ضربوا لمن جاء بعدهم أروع الأمثلة في الحرص على العلم والسعي إليه والعمل به - رضوان الله عليهم أجمعين -
الأمثلة :
1 - أخرج أحمد في مسنده بسنده عن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله فاشتريت بعيراً ثُم شددت عليه رحلي . فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس . فقلت للبواب : قل له جابر على الباب . فقال : ابن عبد الله ؟ قلت : نعم . فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته فقلت : حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله في القصاص . فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن اسمعه . قال سمعت رسول الله يقول : (( يحشر الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عُراةً غُرلاً بهماً . قال : قلنا : وما بهما ؟ قال : ليس معهم شيء . ثم يناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعُه من قرب أنا الملك . أنا الديان . لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حتى أُقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصّه منه . حتى اللطمة . قال : قلنا : كيف وإنا نأتي الله عز وجل عُراة غُرلاً بهماً ؟ قال : بالحسنات والسيئات )
2 - أخرج البخاري بسنده عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله يتوضأ ؟ فقال عبد الله بن زيد : نعم . فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين . ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه . ثم غسل رجليه. قلت : وفي هذا إشارة إلى حرصهم على العلم والتعليم والتعلم .
3 - أخرج أحمد بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان
عبد الله ابن رواحة رضي الله عنه إذا لقي الرجل من أصحابه يقول : تعال نؤمن بربنا ساعة ، فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل ، فجاء إلى النبي فقال : يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة . فقال النبي : (( يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تباهي بها الملائكة عليهم السلام ))
4 - أخرج البخاري بسنده عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً . ثم يتلو { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم } إن اخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق . وإن اخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أحوالهم . وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله بشبع بطنه . ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون
5 - أخرج أبو يعلى بسنده عن حميد قال : سئل أنس عن كسب الحجام فلم يقل فيه حلالاً ولا حراماً . وقال : قد احتجم رسول الله حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام وكلم رسول الله - يعني أهله - فخففوا من غلته ، أو من ضريبته ، وقال خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز
المبحث السادس : خطبهم ومواعظهم
لقد بلغ العرب من الفصاحة والبلاغة والبيان ما لم تبلغه أمة من الأمم قبلهم وكان الشعراء والبلغاء هم فخر القبيلة وعزها ومجدها ، إذا قالوا فالقول قولهم ، وإذا تكلموا فالكلمة كلمتهم كلامهم يرفع ويخفض ، يرفع أناساً ويضع آخرين ، بلغ من عز الكلمة وشرفها ومكانتها عند العرب أن كانت تعلق في جوف الكعبة ، أقدس مكان عندهم وأشرفه وأعز بنيان لديهم .
وعندما بعث رسول الله إلى الناس جاءهم بمعجزة لم يأت بها نبي ألا وهي كتاب الله الذي كان يتلى ويقرأ بينهم كتاب فاق كلامه كلام البشر ، وعلا قدره على الإنسن والجن.
وكان رسول الله أفصح الناس وأبلغهم وأخطبهم . وقد أعطاه مولاه جوامع الكلم يبين هذا ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول : بعثت بجوامع الكلم
إن فصاحته في ذروة الكمال ، بُعد عن التكلف في القول ، جزالة في اللفظ وضوح في الدلالة ، دقة في الوصف والتعبير ، ابداع في التشبيه والتصوير، إيجاز في القول ، مطابقة لمقتضى الحال ، وكان لحركته وإشارته أثر كبير في إثارة الانتباه وتنبيه الغافل ، وهي تعين على الحفظ فمن ذلك أنه ذكر القلب ، فأشار إلى صدره الشريف وقال : التقوى هاهنا . وذكر فضل كافل اليتيم . فقرن بين السبابة والوسطى وفرق بينهما ، إن خطبه تلامس شغاف القلب وتؤثر فيه تأثيراً عظيماً
ومنه تعلم الصحابة - رضوان الله عليهم - فنون الخطابة ولقد بلغت الخطابة زمن الخلفاء الراشدين المكانة المرموقة ، فكان الخلفاء خطباء يخطبون الناس في الجمع والأعياد ويخطبون في الجيوش ويوجهون القادة وكانت خطبهم اقتباساً من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة فاكتسبت بذلك قوة التأثير، ووصلت إلى شغاف القلوب ، وكانت تقوم على الحقائق الملموسة والمسائل الواقعية ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها .
الأمثلة :
1 - أخرج أبو داود بسنده عن قيس : خطبنا أبو بكر رضي الله عنه قال: وُلّيتُ أمركم ولست بخيركم . فإن أنا أحسنت فأعينوني . وإن أنا أسأت فسددوني وإن لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا اوثر في أجسادكم ولا أبشاركم
2 - أخرج أبو داود بسنده عن قبيعة بن جابر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ، ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ، وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ، وعليك بصالح الاخوان ، أكثر اكتسابهم . فإنهم زين في الرخاء ، وعدة عند البلاء ، ولا تسأل عما لم يكن حتى يكون . فإن في ما كان منعه عن ما لم يكن ، ولا تهاون بالحلف بالله فيهينك الله ، وذل عند الطاعة . واستغفر عند المعصية . ولا تستعن على حاجتك إلا من يحب نجاحها . ولا تستشر إلا الذين يخافون الله . ولا تصحب الفاجر فتعلم من فجوره وتخشع عند القبور
3 - أخرج أبو داود بسنده عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال : ألا انبئكم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يؤمنهم مكر الله . ولم يترك القرآن إلى غيره . ألا لا خير في عبادة ليس فيها الفقه . ولا خير في فقه ليس فيه تفهم . ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر
4 - أخرج أبو داود بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله - يعني ابن مسعود رضي الله عنه - ثلاث حقاً على الله أن يفعلهن بالعبد ، يأتيه عبد لا يشرك به شيئاً فيكله إلى غيره ، ولا يجعل من لهم سهم في الإسلام كمن لا سهم له . ولا يحب رجل قوماً إلا حشره الله معهم يوم القيامة ، والرابعة أرجو أن يكون نفعاً لا يستر الله عبداً في الدنيا إلا ستره في الآخرة
5 - أخرج أبو داود بسنده عن علي بن حوشب عن أبيه أنه سمع أبا الدرداء رضي الله عنه على المنبر يخطب الناس وهو يقول : إني لخائف يوم ينادي مناد فيقول : يا عويمر . فأقول : لبيك رب لبيك . فيقول : أما علمت ؟ فأقول : نعم . فيقال : كيف عملت فيما علمت ؟ فتأتيني كل آية من كتاب الله زاجرة أو آمرة فتسألني فريضتها فتشهد علي الآمرة بأني لم أفعل . وتشهد علي الزاجرة بأني لم أنته . أو اترك ؟ فأعوذ بالله من قلب لا يخشع ، ومن عقل لا ينفع ، ومن صوت لا يسمع . وأعوذ بالله من دعاء لا يجاب
المبحث السابع : أخلاقهم التي اتصفوا بها
إن أجمل شيء يتجمل به الإنسان في هذه الحياة تقوى الله وحسن الخلق . فالتقوى تجعله من عباد الله المكرمين ، قال تعالى : { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً }وحسن الخلق يدخله في عباد الله الصالحين الذين سبقت له من الله سبحانه الحسنى وزيادة . وقد فازوا بعز الدنيا ونعيم الآخرة .
أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الناس الجنة . قال : تقوى الله وحسن الخلق . وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار . قال : الفم والفرج
إن الدين الإسلامي هو دين الأخلاق والسجايا الحميدة ، إن مكارم الأخلاق أساس هذا الدين ، فالإسلام يربط دائماً بين الإيمان والأخلاق ، فكمال الأخلاق يدل على قوة الإيمان ، وضعف الأخلاق يدل على ضعف الإيمان ، فالأخلاق الفاضلة هي المنارات الزاهرة التي تضيء الدنيا ، وتشع على الوجود بالأمان والاطمئنان والاستقرار ، وربُنا سبحانه وتعالى لم يرسل رسله المكرمين إلا ليكونوا هداة الأمة إلى الحق وإلى مكارم الأخلاق . ونبينا محمد r هو الموصوف بالخلق العظيم وصفه مولانا سبحانه في محكم التنزيل قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم }وقد بين لنا بأقواله وأفعاله مكانه الأخلاق والدرجة العالية التي يصل إليها أهل الأخلاق الحسنة .
أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله : (( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً خياركم خياركم لنسائه خلقاً ))
ويرتقي صاحب الخلق الحسن إلى درجة القرب من مجلس الحبيب ليحظى بالشرف العظيم بمصاحبة الحبيب في يوم القيامة .
أخرج الترمذي بسنده عن جابر رضي الله عنهما أن رسول الله قال :
(( إن من أحبــكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وإن أبغضكم إلـي وأبعدكـم مـني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون ، قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال المتكبرون ))
ولقد طبق الصحابة - رضوان الله عليهم - ما سمعوه من حبيبهم من حث على الأخلاق الحسنة وتمسك بها وعمل بها وما شاهدوه منه من كمال أخلاقه فكانوا نماذج عظيمة لمن جاء بعدهم في التمسك بالأخلاق الفاضلة ، والعمل بها مع أهلهم وإخوانهم بل حتى مع أعدائهم والأمثلة على ذلك كثيرة جداً .
الأمثلة :
1 - الصبر عند المصيبة :
أخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان ابن لأبي طلحة يشتكي ، فخرج أبو طلحة ، فقبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم : هو اسكن ما كان ، فقربت إليه العشاء فتعشى ثم أصاب منها ، فلما فرغ قالت : وار الصبي فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله فأخبره فقال : أعرستم الليلة ؟ قال : نعم . قال : اللهم بارك لهما في ليلتهما . فولدت غلاماً . قال لي أبو طلحة : احفظه حتى نأتي به النبي ، فأتى به النبي وأرسلت معه بتمرات ، فأخذه النبي فقال : أمعه شيء ؟ قالوا : نعم ، تمرات فأخذها النبي فمضغها ثم أخذ من فيه فجعلها في فيّ الصبي فحنكه بها وسماه عبد الله
2 - الوفاء بالعهد :
أخرج مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل قال : فأخذنا كفار قريش قالوا : انكم تريدُون محمداً ؟ قلنا ما نريدهُ ، ما نُريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه . فأتينا رسول الله فأخبرناه الخبر فقــال : انصــرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم
3 - الحياء :
أخرج أحمد في مسنده عن الحسن وذكر عثمان بن عفان رضي الله عنه وشدة حيائه . فقال : إن كان ليكون في البيت والباب عليه مُغلق ، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يُقم صُلبه
4 - التواضع :
أخرج الحاكم بسنده عن طارق بن شهاب قال : خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فأتوا على مخاضه وعمر على ناقة له فنزل عنها . وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه ، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة ، فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك ، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة ، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك ، فقال عمر : أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين . ووافقه الذهبي .
5 - الخشية من الله :
أخرج البخاري بسنده عن الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا - قال أبو شهاب بيده فوق أنفه
المبحث الثامن : فقههم وآراؤهم الاجتهادية
لقد حرص النبي على تعليم أصحابه - رضوان الله عليهم - ومن بعدهم الاجتهاد في الأحكام وعد ذلك العمل مما يثاب عليه المجتهد .
أخرج البخاري بسنده عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول : (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ))
وهذا التوجيه النبوي الكريم طبقه الصحابة - رضوان الله عليهم - فكانوا يجتهدون في حياته وهويقرهم على ذلك إذا أصابوا ويُبين لهم الأولى إذا خالفوا الصواب .
أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي لنا لما رجع من الأحزاب : (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي فلم يعنف واحداً منهم ))ولهذا لما انقضى عصر النبي الذي تم فيه التشريع الإلهي في الكتاب والسنة وتم الأصلان العظيمان اللذان يرجع إليهما وبدأ عصر الصحابة رضوان الله عليهم وبدأ الفقه بالنمو والاتساع فقد واجه الصحابة وقائع وأحداثاً ما كان لهم بها عهد في أيام النبي فكان لابد من معرفة حكم الله فيها كما أن الفتوحات الإسلامية وما ترتب عليها من ظهور قضايا ومسائل جديدة استلزمت معرفة حكم الشرع فيها لهذا قام الصحابة بمهمة التعرف على أحكام هذه المسائل والوقائع الجديدة فاجتهدوا واستعملوا آراءَ هم على ضوء قواعد الشريعة ومبادئها العامة ومعرفتهم بمقاصد الشريعة وهكذا استطاع الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يواكبوا تلك الأحداث والوقائع وأن يستنبطوا لها الأحكام وذلك بالرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه فإن لم يجدوا فيهما الحكم تحولوا إلى الاجتهاد واعملوا ما أداهم إليه اجتهادهم .
وهذا المنهج يظهر في تطبيقات الصديق والفاروق وابن مسعود وغيرهم من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين
ذكر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به قضى ، وإذا لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به فإن أعياه ذلك سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء ؟ فربما قام إليه القوم فيقولون ، قضى فيه بكذا وكذا فإن لم يجد سنة سنها النبي جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به
وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك
واجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل والأحداث كان يتبعه اختلاف أو اتفاق فالاختلاف في الرأي نتيجة حتمية للاجتهاد واختلاف الصحابة - رضوان الله عليهم - في الاجتهاد يرجع إلى أسباب وهذه الأسباب قد أشار إليها الدكتور عبد الكريم زيدان فقال : (( يرجع اختلاف الفقهاء في هذا العصر إلى جملة أسباب نذكر منها ما يلي :
أولاً : اختلافهم بسبب علم البعض بالسنة وعدم علم البعض الآخر .
ثانياً : اختلافهم بسبب عدم وثوقهم بالسنة فقد يجهل أحدهم السنة فإذا رويت له ربما لا يطمئن بروايتها ولا يثق براويها لأي سبب كان فلا يأخذ بها فمن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يثق بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حيث قالت إن النبي لم يفرض لها نفقة ولا سكنى لما طلقها زوجها بائناً
ثالثاً : اختلافهم بسبب اختلافهم في فهم النصوص فمن ذلك اختلافهم في العدة هل هي ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات ومرد اختلافهم إلى المقصود بكلمة القرء
رابعاً : اختلافهم بسبب الاجتهاد فيما لا نص فيه ))
واجتهادهم في ذلك العصر كان يقوم على أساس واقعي فقد اقتصر اجتهادهم على الحوادث التي وقعت فعلاً فلا اجتهاد عندهم على الوقائع الافتراضية .
وبهذا استطاع الصحابة - رضوان الله عليهم - أن يسايروا ذلك العصر الذي كانوا فيه وأن يجتهدوا في الوقائع التي وقعت لهم وأن يستنبطوا لها الأحكام فكان فعلهم هذا إثراء للفقه الإسلامي وسنذكر بعض الأمثلة على فقههم وآرائهم الاجتهادية - رضوان الله عليهم أجمعين -
الأمثلة :
1 - أخرج مسلم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليه
فهذاالذي فعله عمر رضي الله عنه إنما أراد به زجر الناس عن هذا فإن الناس في زمانه كثر منهم إيقاعهم الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد وهذا خلاف المشروع فأراد عمر زجرهم عن هذا فإن الناس في زمن النبي وأبي بكر ما كانوا يكثرون من إيقاع الطلاق على هذا النحو بل كان ذلك نادراً عندهم أما في زمن عمر فقد كثر ذلك فأوقع عمر عليهم ما أرادوا فجعل الثلاث ثلاثاً.
2 - أخرج البخـاري بسنده عن زيد بن خـالد الجهني رضـي الله عنه قال : جاء أعرابي النبي فسأله عما يلتقطه فقال : (( عرفها سنة ثم اعرف عفاصها ووكاءها . فإن جاء أحد يخبرك بها إلا فاستنفقها . قال : يا رسول الله فضالة الغنم ؟ قال : لك أو لأخيك أو للذئب . قال ضالة الإبل ؟ فتمعر وجه النبي فقال : مالك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها ، ترد الماء وتأكل الشجر ))
فهذا الحديث صريح في النهي عن التقاط ضالة الإبل وهذا الحكم هو الذي عليه العمل في عهد النبي وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لكن لما جاء عثمان رضي الله عنه رأى من المصلحة أن تباع الإبل ثم إذا جاء صاحبها أعطي ثمنها وإنما فعل عثمان رضي الله عنه هذا خوفاً من أن تمتد يد غير أمينة إلى هذه الإبل فتأخذها وذلك لتغير الناس عما كانوا عليه في عهد النبي وعهد الصديق والفاروق رضي الله عنهما فكان فعله هذا من باب المصلحة لحفظ أموال الناس .
أخرج مالك بسنده عن ابن شهاب قال كانت ضوال الإبل في زمان عمر ابن الخطاب إبلاً مؤبله تناتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها
3 - أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن غلاماً قُتل غيلة فقال عمر لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلته
وقد جاءت رواية البيهقي مبينة العدد الذي قتله عمر رضي الله عنه بالغلام. أخرج البيهقي بسنده عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل قتلوه قتل غيلة وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً وهذا الذي ثبت عن عمر رضي الله عنه ثبت أيضاً عن علي رضي الله عنه أنه قتل جماعة قتلوا رجلاً واحداً.
أخرج البيهقي بسنده عن سعيد بن وهب قال خرج قوم وصحبهم رجل فقدموا وليس معهم فاتهمهم أهله فقال شريح شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم وإلا حلفوا بالله ما قتلوه ، فأتوا بهم علياً رضي الله عنه قال سعيد وأنا عنده ففرق بينهم فاعترفوا ، قال فسمعت علياً رضي الله عنه يقول : أنا أبو حسن القرم فأمر بهم علي رضي الله عنه فقتلوا
وهذا الذي ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أن الجماعة تقتل بالواحد . أمر لم يخالفهم فيه أحد .
ولذا ثبت الحكم عند العلماء أن الجماعة تقتل بالواحد إذا اشتركوا في قتله
4 - حد السارق أن تقطع يده وقد جاء هذا مذكوراً في الكتاب الكريم قال تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم
فإذا سرق السارق قطعت يده إذا توافرت الشروط الموجبة للقطع .
وفي عام المجاعة سنة 18 هـ في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب الناس شدة عظيمة حتى إن الناس قد اضطروا للسرقة للحفاظ على حياتهم لهذا رأى عمر رضي الله عنه أن يوقف تطبيق الحد عليهم وذلك لأن عمر رضي الله عنه أدرك علة إقامة الحد وعرف أن الاعتداء على مال الغير فيه القطع إذا تحققت الشروط الموجبة للقطع لكن الناس في عام المجاعة كانوا في ضيق شديد جداً مما دفعهم إلى سرقة الطعام الذي يقيم حياتهم إنها الضرورة التي دفعتهم لذلك لذا أوقف عمر رضي الله عنه إقامة الحد عليهم .
ذكر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - عن عمر رضي الله عنه قال لا تقطع اليد في عذق ولا عام سنة قال السعدي فسألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال : العذق النخله . وعام سنة : المجاعة . فقلت لأحمد : تقول به ؟ فقال : أي لعمري . قلت : إن سرق في مجاعة لا تقطعه ؟ فقال : لا . إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة
والذي فعله عمر رضي الله عنه هو اعمال للقاعدة الفقهية (( الضرورات تبيح المحظورات )) .
5 - اختلف الصحابة - رضوان الله عليهم - في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً وهو مريض هل ترثه ؟
ذهب عثمان بن عفان رضي الله عنه أنها ترثه إذا مات وهي في العدة أو بعد انقضاء العدة.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عثمان رضي الله عنه قال : ورث امرأة عبد الرحمن بن عوف حين طلقها في مرضه بعد انقضاء العدة
وأخرج البيهقي بسنده عن ابن أبي مليكة قال سألت عبد الله بن الزبير عن رجل طلق امرأته في مرضه فبتها قال أما عثمان رضي الله عنه فورثها وأما أنا فلا أرى أن أورثها ببينونته إياها
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه ذهب إلى أنها ترثه إذا توفي في عدتها وهو لا يرثها إن ماتت في العدة.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن شريح قال أتاني عروة البارقي من عند عمر في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً في مرضه : إنها ترثه ما دامت في العدة ولا يرثها وهذا الذي ذهب إليه عمر رضي الله عنه مروي أيضاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في المطلقة ثلاثاً وهو مريض قالت : ترثه ما دامت في العدة
وهذا أبي بن كعب رضي الله عنه كان يرى أنها ترثه ما لم تتزوج أو يبرأ زوجها من مرضه أخرج البيهقي بسنده عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال في الذي يطلق وهو مريض لا نزال نورثها حتى يبرأ أو تتزوج وإن مكث سنة
الخاتمة :
وأذكر فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث وهي :
1 - إن صحابة رسول الله r هم نجوم الهداية وحلية الأيام فدراسة سيرهم وهديهم من أهم الدراسات فهم الأسوة والقدوة لهذه الأمة بعد نبيها r.
2 - إن شرف الصحبة عظيم جداً وأن الصحابة قد أدركوا هذا الشرف فقاموا بما يجب عليهم نحو هذا التشريف العظيم من الدعوة والعمل والتطبيق لهذا الدين .
3 - إن المصادر التي نستقي منها هدي الصحابة كثيرة وأهمها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وكتب التراجم والتاريخ فعلينا الاهتمام بهذه المصادر واستنباط المواضيع منها .
4 - إن الصحابة - رضوان الله عليهم - ضربوا لهذه الأمة المثل الأعلى في حبهم لرسول الله r وتوقيرهم له .
5 - إن التربية النبوية الكريمة لهؤلاء الأصحاب أثرت فيهم تأثيراً عظيماً فقد بذلوا الأموال والأنفس في سبيل الدفاع عن هذا الدين ونبيه r وكانوا قدوة لمن جاء بعدهم - رضوان الله عليهم -
6 - لقد حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على إعمار الآخرة واعتبروا الدنيا طريقاً موصلاً للجنة فأحسنوا فيها العمل لما ينفعهم في الآخرة .
7 - إن الدراسات حول هدي الصحابة قليلة فإن هذا الجانب المهم لم يحض بالعناية الكافية التي يستحقها .
8 - ينبغي إعادة دراسة تراجم الصحابة والاهتمام بذلك ومحاولة وضع الموسوعات العلمية عن سيرهم وحياتهم ومآثرهم .
9 - محاولة وضع المناهج العلمية عن هدي الصحابة وتدريسها للطلاب ليسهل عليهم الاقتداء والتأسي بهؤلاء الأفاضل فهم خير الأمة بعد نبيها r .
10 - لقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم التشريع على أكمل الوجوه فطبقوه وأحسنوا الاجتهاد والاستنباط واستطاعوا أن يسايروا العصر الذي كانوا فيه وأن يضعوا الأحكام لما استجد عندهم من الأحكام
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم<!-- / message -->